مهمة جدا شكلا، وأكثر أهمية فى المضمون، ما نعلمه منه، وما لم يُعلَن، وبقى طى الكتمان بين القادة والوفود الرسمية.. تستحق جولة الرئيس السيسى الخليجية التوقف لأكثر من سبب، خاصة التوقيت.
مواقف مصر معروفة، وعبّرت عنها بكل الصور منذ اندلاع الحرب على إيران، وردود الأخيرة التى انحرف جانب كبير منها لدول الجوار. رسائل ومهاتفات، وجولات لوزير الخارجية، وما تحت السطح ولا نراه أكبر.
الرئيس نفسه طاف هاتفيا على حكام الخليج، وكان واضحا فى إدانة الاعتداءات، ومؤازرة الأشقاء تحت كل الظروف، ودون قيد أو شرط. ونقل الرسالة بأعلى درجات الوضوح لنظيره بزشكيان، بموازنة دقيقة بين الدبلوماسية الرشيدة، والمصارحة الكاشفة.
السياق جلىّ للخاصة والعامة، وعلى امتداد المنطقة وما وراء سياجها الملتهب. لا مجال للالتباس، وما من هامش يحتمل التأويل، وحتى مناوشات الصغار فى الفضاء الافتراضى، يضبطها داخليا الأداء الرسمى المتزن، كما يتعالى على كل محاولات التشغيب وتعكير المياه من أى اتجاه بالخارج.
ومفاد ذلك، أن القاهرة استوعبت حساسية اللحظة، وتحركت وما تزال بالكفاءة الواجبة، وعلى كل المستويات، حتى أن قيادتها السياسية تتجاوز المخاطر المتصلة بتحول المنطقة إلى ميدان حرب، لتعبر المجال الجوى جيئة وذهابا لمرتين فى أسبوع، تعميقا لدلالة الإسناد، وتدفيعا لجهود التهدئة.
ثلاث دول تتحارب، ونحو عشر طالتها الصواريخ، ولا أحد من قادتها جميعا يأمن على طائرته فى تلك الأجواء.
الدلالة هنا تصب لصالح رصيد مصر المادى والمعنوى، وعلاقاتها الواسعة، وقدرتها على جبر التناقضات، وعلى توفير موجة آمنة تتحاور عبرها كل الأطراف بلُغة مشتركة.
شجاعة لا تُنكَر، أن يذهب السيسى لمنطقة عمليات نشطة، ومعقدة فى حساباتها، ليؤكد التضامن بالقول لا الفعل، وأن الرسالة تتخطى صناديق البريد، وتصطف بالدليل العملى. كما أن الجولة تجسيد فعلىّ لشعار «مسافة السكة» الذى أطلقه قبل سنوات، ولا يزال ذائعا.
والعبارة فى مدلولها العميق، أنه لا حجاب بين البلد العربى الأكبر والأقوى، والأشقاء متى احتاجوه أو طلبوا عونه.
كان وزير الخارجية واضحا بأن مصر لم يُطلَب منها شىء وقصّرت فيه، فجاءت الجولة لتُدلل على صدق المعنى، انطلاقا من أنه ليس أصعب على الإطلاق، من أن يتنقل القادة فى أزمنة الفوضى والاحتراب.
أما عن التوقيت، فقد ضمت القائمة أربع دول حتى الآن. وأعتبرها جولة واحدة لا اثنتين، لكنها توزعت على يومين: الخميس قبل ساعات من نهاية رمضان، والسبت بعد ساعات من عيد الفطر.
وفاصل الجمعة كان لغرض غير بعيد من الجوهر، وإن بدا مغايرا فى المظهر. إذ أدى الرئيس صلاة العيد، واحتفل مع أبناء الشهداء وأُسرهم، على جارى عادته المنتظمة، باستثناءات نادرة للغاية.
النظر للأيام الثلاثة فى جديلة واحدة، يُعمم مضامين الأحداث فيها على بعضها، فالسفر للدعم والتهنئة وشد العصب، والعودة لشحذ الطاقة وتجديد العهد والعزم.
والمعنى هناك: قدمنا التضحيات لمواجهة التطرف والإرهاب، ولا فارق بين داخل وخارج. والمعنى هنا: دماء أبنائكم أعادت الاستقرار للبلد الوازن فى المنطقة كلها، وأمن مصر يبدأ من حدود الجيران.
وفيما وراء ذلك، فالغاية أكبر وأعمق من التضامن، وهو معروف وموثوق للإخوة، ولا غبار عليه بموجب ما يُقال علنا، ويجرى فى الخفاء من دون شك.
والقصد، أن ما يحمله الهاتف لا مبرر فيه للطائرة، ما يعطى الجولة الرئاسية أبعادا وتأثيرات أثقل ممّا حوته البيانات.
لعبت مصر دورا ملموسا فى الوساطة بين إيران ووكالة الطاقة الذرية، أثمر اتفاق القاهرة الذى استبق تجدد المفاوضات مع الأمريكيين. وكان الغرض ألا تتجدد الحرب، وما زالت تسعى بالدبلوماسية لتأطير النار وتحجيمها، وصولا إلى الإطفاء.
والموازنة دقيقة للغاية، وتصعب إلا على الكبار العقلاء. لا سيما أننا منحازون لأمن الخليج ومصالحه، ولا نخفى ذلك أو نُغلّب فيه المواءمة على المكاشفة، غير أننا نُوصّف العدوان على إيران باسمه، وننطلق من ثابتة مبدئية ترفض الخيارات الخشنة، وتدعو لتصفية الخلافات بالحوار والبدائل السلمية.
وعليه، فلا نساوى بين إيران وإسرائيل قطعا، كما لا نُبرّئ أُولاهما من جُرمها بحق الجوار. وليس معنى أنها فى صراع مع الثانية، أن تنجو بأفعالها المشينة فى حق الآخرين، لا سيما وقد سعوا لإبعاد شبح الحرب، وما زالوا يتحملون بصمت، مع حقهم العادل والذى لا يُلامون عليه فى الرد.
تستطيع مصر التحرّك برشاقة فى غابة التناقضات. لديها علاقة وثيقة بالولايات المتحدة، وشراكة تجسّدت فى غزة. سلام بارد مع تل أبيب، غير أنه مستقر نسبيا. وقنوات اتصال تتنامى مع طهران، بحرص متبادل على تقويتها، وبما لا يجور على التزامات لا تقبل التهاون، وأهمها مصالح العرب وأمننا القومى.
تجتهد قطر، إلا أنها تعرضت للقصف، ولا تريد أن تظهر علنا لأسباب شتّى. وكذلك الحال فى عُمان، والجمهورية الإسلامية لا تثق فى الترويكا الأوروبية، والأمم المتحدة عاجزة ومعطلة، ولا يحبها ترامب، كما لن يرتاح لموسكو وبكين، ما يجعل القاهرة وسيطا مثاليا فى الأزمة.
التدخل نابع من اعتبارات عدّة: استدراك الإقليم قبل وضعه على طريق المجهول، باستئناف عملية تقطيعه وإعادة ترسيمه الجارية بلا هوادة منذ مقامرة حماس بالطوفان. ثم أمن الخليج، وباعتبار أنهم لا يريدون التصعيد، فالحل الذى يخدمهم التبريد ووقف الحرب.
وأخيرا مصلحة إيران نفسها، كبلد كبير وعقدة استراتيجية، وبرميل بارود لا فائدة لأحد فى أن ينفجر، بل أضرار وتشوّهات ومخاطر داهمة.
طرفا الحرب يتخبطان، وكلاهما يسعى لتصدير أزماته الآخرين.
مصر تتحرك فى سياق عروبى، لا تُجزّئ الأمن، ولا تختزل المسائل الحقيقية المُلحّة، وسبق أن دعت لإرساء منظومة مشتركة، وما تزال.
ضد العدوان، مع التهدئة، وتنطلق من رؤية استباقية حذّرت قبلا، وتستشرف الأسوأ.
الجولة إحاطة بما قيل فى الماضى، انتشال للحاضر من مأزقه، وقدم فى المستقبل. وما أحوج المنطقة للبصيرة والتعقل، أى أن تنصت جيدا لمصر وقيادتها الواعية.