محمود عبد الراضى

ترميم الأرواح

الأحد، 22 مارس 2026 11:33 ص


في عالم يضج بالصراعات، وتتلاطم فيه أمواج القلق كبحار هائجة، يبحث الإنسان التائه عن مرسى يأوي إليه، وعن كلمة تمسح عن قلبه غبار الحيرة.

إن أعظم ما يقدمه المرء لأخيه في ساعات العسرة ليس مالاً يُنفق أو جاهاً يُبذل، بل هو ذلك النور الذي ينبثق من ثنايا الروح ليضيء عتمة الآخرين، وهو ما نسميه "نشر الطمأنينة"، ذلك النهج المقدس الذي يرمم تصدعات النفوس قبل أن تنهار.

تأمل معي هذا الدفق الإنساني في أبهى صوره، حين قال يوسف الصديق لأخيه في لحظة كشف المستور "لا تبتئس"، لم يكن يواسيه فحسب، بل كان يقتلع من جذور قلبه شعوراً بالذنب والوحدة جثم عليه لسنوات.

وفي مشهد آخر مهيب، نجد موسى كليم الله يثبت فؤاد أخيه هارون بكلمة "لا تخف"، ليصنع من الرعد أمناً ومن الخوف ثباتاً، وهي ذاتها الروح التي تجلت في الغار حين همس نبينا الكريم وصفي الله لصاحبه الصديق في لحظة فارقة "لا تحزن"، فكانت تلك الكلمات برداً وسلاماً نزلت من السماء لتثبيت القلوب على الأرض.

إن نشر الطمأنينة ليس مجرد ترف لغوي أو تلاعب بالألفاظ، بل هو "بضاعة الأنبياء" التي لا تبور، وسلوك قيمي يحتاجه مجتمعنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ما أجمل أن نكون نحن "المسحراتية" الذين يوقظون الأمل في قلوب اليائسين، والمنادين في مآذن الأرواح بأن القادم أفضل.

إن الكلمة الطيبة هي بمثابة "طوق نجاة" نلقيه لكل غريق في بحر الهموم، وهي الصدقة التي لا تحتاج إلى خزانة، بل إلى قلب حي يشعر بوجع الآخر ويحتويه.

حين نزرع السكينة في دروب الناس، فنحن لا نصلح شأنهم فحسب، بل نحمي جدار المجتمع من التآكل تحت وطأة الضغوط النفسية.

إن التبشير لا التنفير هو المنهج الذي يجعل الحياة قابلة للاحتمال، ويحول الضيق إلى سعة، والظلمة إلى فجر صبوح. فلنكن جميعاً سفراء لتلك الطمأنينة، نعلم الخائف أن الله معه، ونبشر المبتئس بأن الفرج قاب قوسين أو أدنى، ونهمس في أذن المحزون بأن العسر يعقبه يسران، فهذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه لنا العظماء، وهذا هو النور الذي لا ينطفئ أبداً.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة