جوته واللغة العربية والإسلام.. علاقة شاعر ألمانيا الكبير بروح الشرق

الأحد، 22 مارس 2026 09:00 م
جوته واللغة العربية والإسلام.. علاقة شاعر ألمانيا الكبير بروح الشرق الشاعر الألمانى جوته

أحمد إبراهيم الشريف

تمر اليوم  ذكرى رحيل الشاعر الألماني الكبير يوهان فولفجانج فون جوته (مواليد 1849 وتوفي في 22 مارس 1932) وقد كانت صلته بالعالم العربي والإسلام تحمل طابعا فكريا، وقد ظهر ذلك بوضوح في مشروعه الأشهر "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي"، الذي صدر أصله بالألمانية سنة 1819، ولا يزال إلى اليوم واحدًا من أهم الشواهد الأوروبية على التفاعل الأدبي مع التراث الشرقي، ويذهب كتاب عبد الغفار مكاوي "النور والفراشة" أن هذا العمل ارتبط برؤية جوته للإسلام وللأدبين العربي والفارسي، وأنه يمثل جزءًا أساسيًا من هذا الأفق الفكري الواسع.

ولعل ما يمنح هذه العلاقة خصوصيتها أن جوته لم يقف عند حدود التلقي العام، بل انشغل بالعربية وبالشعر العربي وبالتراث الإسلامي انشغالًا ممتدًا، فكتاب "Goethe and the Poets of Arabia" الصادر عن جامعة كامبردج يقرر أن اهتمامه بالثقافة العربية كان متطورًا وطويل المدة، ويرصد بحثه في الشعر العربي والإسلام، إلى جانب حضورهما في عدد من أعماله.

الديوان الشرقي.. اللحظة الأوضح في لقاء جوته بالشرق

حين يذكر جوته في سياق علاقته بالإسلام واللغة العربية، يتقدم "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" إلى الواجهة بوصفه النص الأوضح دلالة، فهنا لا يظهر الشرق كخلفية زخرفية، بل كأفق ثقافي كامل دخل إليه الشاعر الألماني الكبير عبر القراءة والتأمل وإعادة الصياغة الشعرية. وتشير المصادر الأكاديمية إلى أن هذا الديوان نشأ داخل "روح الإسلام ومناخه"، وأنه ما كان ليظهر بهذه الصورة لولا الموقف الإيجابي الممتد الذي احتفظ به جوته تجاه الإسلام.
ومن المهم هنا أن هذا المشروع لم يتأسس فقط على الشعر الفارسي كما هو شائع، بل اتسع أيضًا لقراءات في الشعر العربي والتراث العربي القديم. ففصول كتاب كامبردج تتتبع حضور الشعر الجاهلي، والشعراء العرب قبل الإسلام وبعده، والأمثال العربية، بما يكشف أن الثقافة العربية كانت مكوّنًا حاضرًا في هذا التشكيل الشعري والفكري.

هل عرف جوته العربية؟

الأدق تاريخيًا ألا يقال إن جوته أتقن العربية على النحو الذي يقال عن المتخصصين، لكن الثابت أنه اقترب منها باهتمام حقيقي، وقرأ عنها، وتابع نصوصًا وأعمالًا تتصل بالشعر العربي والإسلام، وتشير مقدمة كتاب كامبردج إلى أن جوته كان يبحث عن مؤلفات تتناول الشعر العربي أو الإسلام، وأن صلته بهذا المجال لم تكن سطحية أو متأخرة، بل بدأت مبكرًا واستمرت معه. كما تؤكد المقدمة نفسها أنه ظل مأخوذًا بحكايات "ألف ليلة وليلة" ذات الجذور العربية، وعاد إليها مرارًا عبر سنواته.
ومن هنا تبدو علاقة جوته بالعربية علاقة إنصات ثقافي وجمالي، لا مجرد معرفة مدرسية باللغة. لقد كان يبحث عن روح النصوص، وعن الصور والأوزان والحكايات والمجازات التي صنعت ذلك العالم الذي رآه مختلفًا وملهمًا في الوقت نفسه.

جوته والإسلام.. احترام يتجاوز الصورة النمطية

من أكثر الجوانب لفتًا في تجربة جوته أنه لم يقترب من الإسلام بوصفه خصمًا حضاريًا، كما فعلت صور أوروبية كثيرة في عصور سابقة، بل نظر إليه باهتمام واحترام. وتشير دراسة كامبردج إلى أن انشغاله بالإسلام كان من أظهر الظواهر في حياته الفكرية، وأنه أبدى تعاطفًا واضحًا مع الدين الإسلامي، حتى إن الكتاب يربط بين "الديوان الشرقي" وبين هذا الموقف الإيجابي الطويل تجاه الإسلام.
وتزداد أهمية هذه الشهادة حين نعرف أن جوته لم يكن يقرأ الإسلام من زاوية الجدل الديني فقط، بل من زاوية روحية وشعرية أيضًا. فالمسألة عنده لم تكن مجرد اطلاع على معلومات، وإنما محاولة لفهم عالم كامل: كتابه المقدس، ونبيه، وشعره، وصوره، ولغته، ومخيلته. ولهذا اكتسب حضوره في هذا الملف قيمة استثنائية داخل التاريخ الأدبي الأوروبي.
وتذهب بعض الدراسات الحديثة إلى أن القرآن كان حاضرًا في وعي جوته بصورة لافتة، فكتاب كامبردج يوضح أن اهتمامه بالإسلام لم يكن هامشيًا، على العكس كان مستمرًا ومتصلًا، وأن هذا الاهتمام انعكس على فهمه للنصوص الشرقية وعلى بناء "الديوان الشرقي" نفسه.
وبهذا المعنى، يصبح جوته واحدًا من أبرز الأدباء الأوروبيين الذين قرأوا الإسلام قراءة تتجاوز الأحكام الجاهزة، وسعوا إلى الاقتراب منه باعتباره تجربة روحية وثقافية كبرى، لا مجرد موضوع خارجي للفرجة أو الخصومة.
وتبقى تجربة جوته مهمة لأن فيها نموذجًا مبكرًا لحوار ثقافي حقيقي. لقد وجد في الشرق، وفي الإسلام على وجه الخصوص، مساحة للتأمل والتجديد الشعري، ووجد في الأدب العربي معينًا يساعده على توسيع أفق القصيدة الأوروبية. ومن هنا لم يعد اسمه، في هذا الملف، مجرد اسم لشاعر ألماني كبير، بل صار شاهدًا على أن المعرفة الجادة بالآخر يمكن أن تنتج احترامًا وإبداعًا في آن واحد.
وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة عن صورة الإسلام في الغرب، تبدو العودة إلى جوته ضرورية؛ لأنه يمثل استثناءً لافتًا في تاريخ الأدب الأوروبي، استثناءً قام على القراءة لا على التحيز، وعلى الإنصات لا على القطيعة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة