وليد عبد السلام

فحص ما قبل الزواج… استثمار في صحة الأجيال وحماية لمستقبل الوطن

السبت، 21 مارس 2026 06:55 م


في ظل ما يشهده العالم من تطور هائل في الطب وعلوم الوراثة، لم يعد مقبولًا أن نترك مسألة تكوين الأسرة للصدفة أو للمشاعر وحدها، دون سند علمي يحمي الأجيال القادمة من معاناة كان يمكن تجنبها بخطوة بسيطة. وهنا تبرز أهمية فحص ما قبل الزواج كأحد أهم أدوات الوقاية الصحية، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى المجتمع والدولة ككل.

فحص ما قبل الزواج لم يعد إجراءً روتينيًا أو ورقة تُستخرج لاستكمال الأوراق الرسمية، بل هو في حقيقته “خط الدفاع الأول” ضد الأمراض الوراثية والمشكلات الصحية المعقدة التي قد تصيب الأبناء. هذا الفحص يتيح اكتشاف الأمراض الكامنة أو الجينات المعيبة التي قد لا تظهر على الأبوين، لكنها تنتقل إلى الأطفال مسببة أمراضًا مزمنة أو إعاقات قد تستمر مدى الحياة.

ولعل الأرقام وحدها كفيلة بأن تضعنا أمام حجم القضية الحقيقي. فبحسب منظمة الصحة العالمية، تُولد سنويًا نحو 300 ألف حالة وفاة بين الأطفال حديثي الولادة بسبب عيوب خلقية وأمراض وراثية، بينما يعاني ملايين الأطفال حول العالم من إعاقات دائمة نتيجة هذه الأمراض. وتشير التقديرات إلى أن نحو 5% من المواليد عالميًا يولدون باضطرابات وراثية أو عيوب خلقية بدرجات متفاوتة.

أما الأمراض النادرة، فتمثل تحديًا صامتًا لكنه واسع الانتشار؛ إذ يوجد أكثر من 7,000 مرض نادر حول العالم، ويُصاب بها ما يقرب من 300 مليون شخص، أي نحو 1 من كل 20 إنسانًا، وتشير الدراسات إلى أن 80% من هذه الأمراض ذات أصل وراثي.

وعلى المستوى الإقليمي، ترتفع معدلات الأمراض الوراثية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنة بالمعدلات العالمية، ويرتبط ذلك بشكل مباشر بانتشار زواج الأقارب، حيث تتراوح نسبته في بعض المجتمعات بين 20% إلى 50% من إجمالي الزيجات، وهو ما يزيد بشكل كبير من احتمالية ظهور الأمراض الوراثية المتنحية التي قد تظل كامنة لسنوات قبل أن تظهر في الأبناء.

أما في مصر، فالتحدي لا يقل أهمية؛ إذ تشير التقديرات إلى وجود مئات الآلاف من المرضى الذين يعانون من أمراض وراثية أو نادرة، يحتاج كثير منهم إلى رعاية طبية مستمرة وعلاجات باهظة التكلفة، قد تصل في بعض الحالات إلى ملايين الجنيهات سنويًا للحالة الواحدة، خاصة مع الاعتماد على أدوية حديثة أو تقنيات علاج متقدمة.

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود هذه الأمراض، بل في تكلفتها الباهظة، سواء على الأسرة أو على الدولة. فهذه الأمراض لا تمثل معاناة إنسانية فقط، بل عبئًا اقتصاديًا ضخمًا تتحمله الدولة في إطار سعيها لتوفير الرعاية الصحية، في وقت كان يمكن فيه تقليل نسبة كبيرة من هذه الحالات عبر الالتزام الجاد بفحص ما قبل الزواج.

ومن هذا المنطلق، يأتي الاهتمام الكبير من القيادة السياسية بتعزيز برامج الوقاية، وعلى رأسها فحص المقبلين على الزواج، كجزء من رؤية أوسع لبناء مجتمع صحي قوي. فالتوجيهات الرئاسية الواضحة تسعى إلى تقليل معدلات الإصابة بالأمراض الوراثية والنادرة، ورفع جودة الحياة للمواطنين، وهو ما لا يتحقق إلا بالوعي والالتزام المجتمعي.

ولا يمكن الحديث عن الأمراض الوراثية دون التطرق إلى زواج الأقارب، الذي لا يزال منتشرًا في بعض المجتمعات. ورغم ما يحمله من اعتبارات اجتماعية وعائلية، إلا أن مخاطره الصحية لا يمكن تجاهلها. فالعلم يؤكد أن زواج الأقارب يزيد من احتمالية ظهور الأمراض الوراثية المتنحية، التي قد تكون “ساكنة” داخل الأسرة لسنوات، ثم تظهر فجأة في جيل جديد، مسببة معاناة كبيرة للأبناء والأسر.

كذلك، فإن الزواج غير المدروس صحيًا، والذي يتم دون أي فحص أو معرفة بالحالة الصحية للطرفين، قد يخفي وراءه أمراضًا خطيرة، سواء وراثية أو معدية، مما يهدد استقرار الأسرة منذ بدايتها. وهنا يأتي دور الفحص كوسيلة للطمأنينة، وليس كعائق، بل كخطوة واعية تضمن بداية صحيحة لحياة جديدة.

إن الاستجابة لفحص ما قبل الزواج ليست رفاهية، بل ضرورة مجتمعية وأخلاقية. فهي تعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه شريك حياته وأطفاله، وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه. فكل طفل يولد سليمًا هو إضافة حقيقية لقوة الدولة، وكل حالة مرضية تم تجنبها هي نجاح للمنظومة الصحية وتخفيف لعبء اقتصادي كان يمكن أن يستمر لسنوات.

في النهاية، نحن أمام اختيار واضح:

إما أن نأخذ بالأسباب ونعتمد على العلم لحماية أجيالنا، أو نترك الأمور للصدفة وندفع الثمن لاحقًا في صورة معاناة إنسانية وتكلفة اقتصادية باهظة.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة