في 20 مارس من كل عام يحتفل العالم باليوم الدولي للسعادة، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة للتأكيد على أن السعادة والرفاهية ليستا شأنًا هامشيًا، بل جزء من التطلع الإنساني العام، ومن هنا يبدو استدعاء شعر إيليا أبو ماضي مناسبًا، لأن هذا الشاعر لم يكتب عن السعادة باعتبارها لحظة عابرة، بل بوصفها رؤية للحياة، وطريقة في النظر إلى العالم، وموقفًا أخلاقيًا ونفسيًا في مواجهة الألم والضيق.
السعادة عند إيليا أبو ماضي ليست إنكارًا للحزن
ما يميز تجربة إيليا أبو ماضي أن التفاؤل عنده لا يقوم على تجاهل المتاعب، بل على مقاومة الاستسلام لها، فهو شاعر عرف أن الحياة قاسية أحيانًا، لكنه آمن بأن الإنسان قادر على أن يخفف وطأتها بنظرته، وبقلبه، وبقدرته على رؤية الجمال فيما حوله، ولهذا جاءت قصائده عن السعادة أقرب إلى دعوة داخلية للتماسك، لا إلى وعظ مباشر أو فرح ساذج، وتعد قصائد مثل "فلسفة الحياة" و"ابتسم" و"كن بلسما" من أشهر النصوص التي تكشف هذا المعنى في شعره.
"فلسفة الحياة".. السعادة تبدأ من زاوية النظر
من قصيدته "فلسفة الحياة" يقول إيليا أبو ماضي:
"أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءُ"
"كُن جَميلًا تَرَ الوُجودَ جَميلًا"
في هذين البيتين يضع الشاعر لبَّ فكرته، السعادة لا تأتي دائمًا من تغير العالم، بل من تغير نظرتنا إليه، فهو يخاطب الإنسان الذي يعتاد الشكوى، ويشير إلى أن العلة قد تكون أحيانًا في طريقة التلقي لا في الأشياء نفسها، ولهذا صارت هذه القصيدة من أشهر ما قيل في التفاؤل، لأنها تربط الفرح بصفاء الروح، لا بكثرة المكاسب أو زوال المتاعب.
"ابتسم".. الفرح بوصفه مقاومة يومية
وفي قصيدته "ابتسم" يقول:
"قالَ السَماءُ كَئيبَةٌ وَتَجَهَّما"
"قُلتُ اِبتَسِم يَكفي التَجَهُّمُ في السَما"
ويقول أيضًا:
"قالَ الصِبا وَلّى فَقُلتُ لَهُ اِبتَسِم"
"لَن يُرجِعَ الأَسَفُ الصِبا المُتَصَرِّما"
هنا تبدو السعادة عند أبي ماضي فعلًا يوميًا في مواجهة الكآبة، فالشاعر لا ينفي وجود أسباب الحزن، لكنه يرفض أن تتحول إلى سيطرة كاملة على الإنسان، والابتسام هنا ليس سطحية، بل نوع من الشجاعة النفسية، لأن الإنسان لا يملك دائمًا تغيير ما حوله، لكنه يملك ألّا يسلم قلبه كله للعتمة، ولهذا بقيت "ابتسم" من أكثر قصائده قربًا إلى الناس.
"كن بلسما".. السعادة الحقيقية حين تصير خيرًا للآخرين
ومن قصيدته "كن بلسما" يقول:
"كُن بَلسَماً إِن صارَ دَهرُكَ أَرقَما"
"وَحَلاوَةً إِن صارَ غَيرُكَ عَلقَما"
ويقول أيضًا:
"أَحسِن وَإِن لَم تُجزَ حَتّى بِالثَنا"
"أَيَّ الجَزاءِ الغَيثُ يَبغي إِن هَمى؟"
في هذه القصيدة يوسّع أبو ماضي معنى السعادة، فلا يجعلها مسألة فردية فقط، بل يربطها بالعطاء. فالسعيد عنده ليس من ينجو بنفسه وحدها، بل من يصير بلسمًا لغيره، ويمنح العالم شيئًا من الرحمة والخفة. وهنا تتحول السعادة إلى قيمة إنسانية وأخلاقية، وتصبح مرتبطة بالكرم الداخلي، لا بالاكتفاء الشخصي وحده.
شاعر رأى في السعادة تربية للروح
من خلال هذه النماذج يتضح أن إيليا أبو ماضي لم يكن شاعر بهجة عابرة، بل شاعر بناء نفسي وروحي. فهو يدعو الإنسان إلى أن يرى الجمال، وأن يتمسك بالأمل، وأن يكون نافعًا لغيره، وأن يخفف من وطأة الحياة بابتسامة أو كلمة أو موقف. ولذلك فإن شعره يبدو ملائمًا جدًا لليوم العالمي للسعادة؛ لأنه لا يختزل السعادة في المتعة، بل يراها في الرضا، والتفاؤل، والمحبة، وحسن النظر إلى العالم.