كنت قد تكلمت فى مقال سابق عن "رمضان فى القرن التاسع عشر"، مستعرضا ما كتبه المستشرق الإنجليزى "إدوراد وليم لين" فى كتابه "المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم" من مظاهر احتفال المصريين بشهر رمضان فى النصف الأول من القرن التاسع عشر. ورغبة فى إتمام الفائدة، أستعرض باقى حديثه عن احتفال المصريين بعيد الفطر المبارك.
لم يطلق عليه "لين" اسم "عيد الفطر"، بل سماه جريا على عادتنا فى تسميته بـ "العيد الصُّغير" أو على الأصح "العيد الصَّغير". ويحتفل المسلمون به ثلاثة أيام، تبدأ بعد انتهاء الصيام.
يوضح "لين" مظاهر احتفال المصريين بعيد الفطر، فيقول إن المسلمين يظهرون فى حلل جديدة، أو فى أحسنها، ويجتمع الرجال فى المساجد، ويصلون ركعتين، سنة العيد، ثم يلقى الخطيب الخطبة، ويتعانق الأصدقاء، مهنئين بعضهم بعضا، حينما يتقابلون فى المسجد، أو فى الشارع، أو فى منازلهم، وهم يتزاورون لهذا الغرض على العموم. وهذه المظاهر لا نزال نتبعها إلى الآن، وتنتشر بصورة أكبر فى الريف المصرى، ولم نخرج عن إطارها، وكأن "لين" يحدثنا أو يصف احتفالنا بعيد الفطر المبارك فى زمننا هذا.
وارتداء الملابس الجديدة فى العيد لا يقتصر على فئة دون فئة، أو طبقة دون طبقة، فالجميع يحرص على ارتدائها، غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، ويقول "لين" فى هذا:"ويلبس البعض، حتى من الطبقة الدنيا، ملابس كاملة جديدة، ويكاد الكل يلبسون شئيا جديدا، ولو حذاء فقط". فمن ملابسات العيد، ارتداء الحلل الجديدة، وتبادل الزيارات، ومعانقة الأصدقاء، والذهاب إلى المساجد لأداء صلاة العيد.
يحدثنا "لين" عن خَدَم البيت، وكان سائدا فى ذاك الوقت، وهو ما يعنى أن صاحب البيت من الموسرين، وهو ملزم بأن يقدم لخادمه قطعة واحدة من الثياب على الأقل جديدة، كما يتناول الخادم بعض قروش من كل من أصدقاء صاحب البيت، أو عندما يذهب إليهم ليهنئهم. أما إذا كان الخادم قد خدم سيدا سابقا، فإنه يذهب لزيارته أيضا، ولهذا يكافئه سيده السابق ببضعة قروش.

المصريون المحدثون
أما عن الأكل الذى يأكله أهل القاهرة فى عيد الفطر، فيقول "لين" إنهم يأكلون "الفسيخ" و"الكحك" و"الفطير" و"الشُّريك" وهو من المخبوزات، وتقوم بعض العائلات بتحضير طبق "المُمززة"، ويتكون هذا الطبق من اللحم والبصل ودبس السكر والخل والدقيق الخشن.
ومن مظاهر الاحتفال بالعيد أيضا خروج الناس إلى الشوارع للتنزه، كما تغلق المحال ماعدا محال المأكولات والمشروبات، وإن اكتظاظ الشوارع بالمحتفين وهم يرتدون الحلل الجديدة، يجعل الشوارع تبدو فى منظر بهيج، وهو ما أعجب المستشرق الإنجليزى "لين".
لا ينسى "لين" أن يحدثنا عن زيارة أفراد العائلة، وخاصة النساء، إلى مقابر ذويهم فى يوم من أيام العيد الثلاثة، ويأخذون معهم أغصان النخيل والريحان لوضعه فوق القبور التى يزورونها، ويشقون الغصن الواحد إلى عدة قطع يضمونها جميعا، أو أوراقه فقط فوق القبر. وفى الغالب يوضع فوق القبر أى شىء يدل على الخضرة، كالبرسيم مثلا فى الريف لو جاء العيد فى فصل الشتاء، أو الورود فى المدينة.
ويستمر "لين" فى الحديث عن عادة النساء فى زيارة القبور، فقد رأى جماعات عدة منهن يحملن السعف، كما يحملن، حسب ظروف كل واحدة، الكحك والشريك والفطير والبلح أو بعض المأكولات الأخرى، لتوزيعها على الفقراء الذين يقصدون المقابر فى هذه الأيام. وبعض النساء يجلسن فى خيمة تنصب لهن، لقراءة القرآن على روح الميت، ويستخدمن شخصا لقراءة سورة يس أو جزء أكبر من القرآن. وبعضهن يمضين الليلة فى الخيمة، ويبقين إلى نهاية العيد، أو عصر يوم الجمعة التالى، وقد عدَّ "لين" مسلك هؤلاء النساء ليس قويما، وأنهن مخادعات ويدبرن المكائد. وبعض الأسر لها مدافن مسورة ومنزل بداخلها، وهذه المدافن تسهل حركة النساء، وهى بالطبع أفضل من الخيم المنصوبة.
أقول لا تزال هذه العادة، زيارة القبور فى العيدين، جارية إلى الآن وخاصة فى الريف، ما عدا مسألة الخيم المنصوبة للبيات، ومازالت النساء يذهبن فى الصباح الباكر إلى القبور، ويحملن أفضل ما فى بيوتهن لتوزيعه على الأطفال والصبية، ويقولون إنها رحمة ونور على ذويهن المتوفين، أو لتوزيعه على قراء القرآن من الصبية أو الأطفال الكبار. كما يحملن طاقة أو حزمة من البرسيم أو فروع الشجر لوضعها على ظهر القبور. وبعد صلاة العيد يخرج المصلون زرافات إلى مقابرهم لقراءة الفاتحة على أقاربهن.

حسين السيد
لاحظ "لين" أن مقبرة باب النصر الكبرى تعرض فى العيدين منظرا يستحق الاعتبار، حيث تقام بعض من الأرجوحات، وتنصب خيم يعمل بها راقصون، ورواة أبى زيد لتسلية المتفرجين والمشاهدين، وكأننا فى مولد شعبى، أو سيرك به راقصون ورواة لقصص شعبية ليتسلى الجمهور، وهكذا استغل الفن الشعبى منطقة القبور ليحولها من بؤرة للأحزان والأسى إلى بؤرة للفرح والمرح، وجعلها مسرحا تعرض عليه مختلف فنونه.
كثير من مظاهر الاحتفال بالعيد منذ القرن التاسع عشر لا نزال نحتفظ بها بل توسعنا فيها وأضفنا إليها أشياء جديدة، ليصح قولنا: إن العيد فى مصر مختلف تماما عن أى بلد آخر، ومن أراد أن يشعر بالعيد ويحس به فليأت إلى مصر.