مع حلول أيام العيد، تتبدّل إيقاعات الحياة اليومية، وتغدو الأجواء أكثر دفئًا وبهجة، إذ لا يقتصر العيد على كونه مناسبة دينية واجتماعية فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الجوانب النفسية للإنسان، ففي هذه الأيام تتجدد مشاعر الفرح والانتماء، وتزداد فرص التواصل والتقارب بين الأفراد، وهو ما يجعل العيد مساحة إنسانية خصبة يدرسها علم النفس بوصفها حالة جماعية من التفاؤل والارتياح النفسي، حيث تلعب الطقوس الاجتماعية والذكريات المشتركة دورًا مهمًا في تعزيز الشعور بالسعادة والتوازن العاطفي.
هزات شديدة في نفوس الناس بأيام العيد
حسب ما جاء في كتاب خطرات نفس من تأليف منصور فهمي: إذا كان عالم الأفلاك لم يتخلف عن نواميسه في أيام العيد، فهناك عالم آخر ظهر فيه التغير واضحًا جليًا، ذلك هو عالم النفوس.
توافق الناس في أيام العيد أن تهتز نفوسهم هزات شديدة، اصطلحوا على تسميتها بالسرور أو الفرح، ومن شأن تلك الهزات أن تحدث في أمور الناس غير ما ألف الناس في كل يوم، تحدث في المدن والقرى حركة أشد، وتحدث في لباس الكثيرين أناقة وكياسة، وتحدث في وجوههم زهاءً وبشرًا، وتجري على ألسنتهم دعوات وشكرًا.
مظاهر احتفال مختلفة بأيام العيد
ويضيف مؤلف الكتاب خلال فصل بعنوان "أيام العيد" والتي يتحدث فيها عن مظاهر العيد بالقاهرة في 10 من إبريل سنة 1927: "في مسافة من الطريق لا تزيد عن الميلين شهدت أكثر مظاهر العيد. رأيت بعض الأصدقاء يقبلون على بيت صديق لهم، وجميعهم يحملون على ألسنتهم دعوة لأعزب الدار، أن يهيئ له الله ما تصبو إليه نفسه من عروس صالحة، ولتلميذ الدار أن يعينه الله على أداة الامتحان ونيل الشهادة، ولشيخ الدار أن يتقبل الله منه تقواه، ويمتعه بزيارة حبيبه الرسول، ولعريس الدار أن يرزقه الله بخير الخلف".
الناس جميعا يعلمون أمر الدعوات في كل يوم من أيام العام؛ لكنهم قد توافقوا أن يرسلوها في العيد حارة صادقة، كأن الله قد خصص ذلك اليوم لدعوات عباده ليتقبل منها ما يتقبل، وكأن الناس ينتظرون في هذا اليوم أكثر منه في كل يوم رحمة الله عليهم ورأفته بهم.
ثم رأيت بعد ذلك عربة فيها صبية يصيحون ويصخبون، ويضجون، وكل دلائل السرور بادية عليهم. أوردتهم بالدماء مترعةً، وأنفاسهم مسرعةً، وحركاتهم كثيرةً ومنوعةً وضحكاتهم غزيرةً، ووجوههم مشرقةً مستديرةً، وكل ذلك من آثار الفرح. والناس تعلم حقًّا في كل يوم من أيام العام، ما السرور والفرح، لكنهم توافقوا في أيام العيد على أن يستعينوا بمظاهر الفرح على خلق الفرح.
ثم رأيت بعد ذلك عائلة تتكوَّن من أبٍ يسير آخذًا بيد طفله يجري وراءه، ووراءهما أمٌّ يتقدمها ابنتان لابستان جلبابيهما الحمراوين الجديدين، وفي أيديهما بعض ما يبيع المرتزقة من حلوى ولعب، وما كان أشد هذا المنظر وقعًا في نفسي، إذ بدت لي عين الأم الرءوم لا ترى في هذه الطرقات الهائجة المائجة إلا غبطة أبنائها في ثيابهم الجديدة فرحين مستبشرين، آه لو علم الذين يخلعون كل يوم ثيابهم الغالية ليستبدلوها بغيرها من الثياب الجديدة الغالية قيمة الثوب الجديد عند من يجددونه لأبنائهم مرة في كل عام!!
ثم رأيت كذلك عربة يركبها شباب من المستهترين يرقصون، ويطربون، ويشربون، ويتمايلون ويترنحون، وفي القول يبتذلون، والناس حقًّا يعلمون في كل يوم من أيام العام رذيلة الاستهتار؛ لكنهم توافقوا إكرامًا للعيد أن يتسامحوا في بعض مظاهر الاستهتار.
أيام العيد في علم النفس
أيام العيد إذن تتجلَّى في عالم النفس في نزعات مشتركة، وتوافق بين الناس على أن يبتهلوا ويفرحوا ويوسعوا على أنفسهم ويتسامحوا.
والناس يهيئون أعيادهم لأنفسهم بأنفسهم دون أن تتغير الأرض والسماء بما يعملون، ففي الكون تظل مواطن اللذة، وفيه تظل مواطن الألم، وأنك حيث ترى في يوم العيد الموسر يتبختر في جديد كسائه مطمئنًا في فرحه وغبطته، قد ترى المعسر الكادح في ثيابه البالية لا يفكر إلا في عسره وشقوته!
وإنك في النهج الذي يجتمع فيه المجتمعون، ويعيد فيه المعيدون، قد تجد مكانًا يفترق فيه المفترقون، ويشيع فيه المشيعون!!
إن أشد الناس استفادة من الحياة من استطاع أن يجعل جلبة آمالها وأفراحها، تستر ضجيج آلامها وأتراحها.