تتسارع وتيرة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فى مشهدٍ يتجاوز "الضربة المحدودة" إلى منطق حرب مفتوحة الأهداف، تُدار عبر فيديوهات ورسائل سياسية موازية للعمليات الميدانية، وخلال الساعات الماضية، بدا خطاب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب جزءًا من غرفة العمليات نفسها: يحدد إطار الحرب أخلاقيًا، ويُقدّم تبريرًا قانونيًا/أمنيًا، ثم يفتح الباب لمعنى سياسى أوسع يتجاوز الردع إلى إعادة تشكيل الداخل الإيراني.
وتظهر أهمية هذا الخطاب فى أنه لا يكتفى بوصف ما يحدث، بل يصنع "سردية الحرب" التى تقنع الداخل الأمريكى وتضغط على الخصم وتؤطر دور الحلفاء.
إعلان طبيعة الحرب
بدأت القوات المسلحة الأمريكية عمليات قتالية كبرى فى إيران major combat operations
هذه الجملة، بصيغتها المباشرة، تنقل الحدث من مستوى "غارة" إلى مستوى حرب عمليات، وتُهيّئ الجمهور لفكرة اتساع المدى وتعدد الجبهات.
ثم يأتى التبرير الأخلاقي/الأمني:
"هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأمريكى عبر إزالة التهديدات الوشيكة الصادرة عن النظام الإيراني".
هنا تستعمل مفردات "الدفاع" و"التهديد الوشيك" لتثبيت سردية أن الحرب ليست خيارًا سياسيًا بقدر ما هى "ضرورة أمنية" وهو تأطير يخفض مساحة الاعتراض الداخلى ويمنح القرار العسكرى شرعية خطابية مسبقة.
بعد ذلك يضع ترامب شرط النهاية بصيغة قابلة للتمدد: "ستستمر العمليات القتالية… حتى تتحقق جميع أهدافنا".
وميزة هذه الصيغة أنها تبقى "الأهداف" مرنة: يمكن تعريفها أو توسيعها لاحقًا من دون تغيير فى منطق الخطاب، ما يعنى عمليًا قبولًا مبكرًا لاحتمال إطالة أمد المواجهة.
وأخيرًا، يضيف صورة ردعية مكثفة تُفسّر ما يجرى فى مسرح الخليج/البحر: ترامب قال إن الولايات المتحدة "تُغرِق البحرية الإيرانية"، وإن السفن المتبقية "ستكون قريبًا فى قاع البحر".
بهذه اللغة، يصبح الفعل العسكري رسالة سياسية: إظهار القدرة على الحسم، وربط المعركة ضمنيًا بأمن الملاحة، وإبلاغ الخصم أن كلفة الاستمرار ستكون تدميرية.
وفي قلب إدارة الرأي العام، تظهر جملة تُهيئ المجتمع لتحمل الكلفة: "قد تُفقد أرواح أبطال أمريكيين شجعان… وهذا يحدث كثيرًا في الحرب… إنها مهمة نبيلة". هنا يدمج الحداد بالتبرير: الاعتراف بالخسائر لا يُقدَّم كسبب للتراجع، بل كجزء متوقع من “مهمة” ذات قيمة أخلاقية.
بهذه الحزمة من الجمل، يصنع ترامب خطابًا يُدير الحرب على ثلاثة مستويات: شرعنة البدء (الدفاع/التهديد الوشيك)، تأمين الاستمرار (حتى تتحقق الأهداف)، وتسويق الردع (صور التدمير والحسم)، مع تدبير الكلفة البشرية عبر تحويل الفقد إلى "مهمة نبيلة".