لا تسقط الدول بالغارات الجوية، ولا بموت القادة، والحسبة أشد تعقيدًا فى إيران. مات خامنئ، وكان يضع قدمًا فى أُخراه، وما أُثير سؤال بالفارسية مؤخّرًا، أكثر من البحث فى الموعد وهوية الخليفة.
تُنسب الثورة للخمينى، غير أن المرشد الثانى أهم وأكثر تأثيرًا فى مسارها. تلطّم فى السجون قبلها، وواكبها من البواكير جنرالا، وحملته المقادير لسدّة الرئاسة، ومنها لاعتمار العمامة الأعلى.
نائبًا لوزير الدفاع، كان فى شهور التمكين وتثبيت الجذور. وكان رئيسا ضعيفًا لثمانى سنوات، بتزكية من الإمام المؤسس. وربما يعود الفضل فى ترقّيه لجهاز كاسيت، كان شاهدًا على محاولة اغتيال أورثته عاهة فى ذراعه، وهالة تفوق قدراته.
عاشت الجمهورية كامل عُمرها فى ظل خامنئى، بدرجة أو أخرى، وظلّ مُهيمنًا عليها باستبداد إلهى لقرابة 4 أعقود، أى ثلاثة أرباع عُمرها، منذ حلّ على مقعد الولى الفقيه صيف 1989.
كان يتخفّى، حتى صار عُرضة للتندّر من مُعارضيه، فأسموه «موش على»، أو الفأر على. والقصد أن الغياب ليس طارئًا، وهامش الحضور الخافت لم ينطفئ تماما بالرحيل.
الإغارة الأمريكية الإسرائيلية، أو العكس، جولة ثانية من حرب يونيو. وأكثر إن عُدّت إلى جوار تداعيات الطوفان، وما تكبّدته طهران وميليشياتها فى المنطقة، لا سيما استدراجها فى الشام، وإبعادها عنه، والتدرُّج منه إلى معاقلها الحصينة.
محاكاة لم تختلف فى تفصيلة واحدة. يذهبون للتفاوض معًا، ويعود الإيرانيون بأوهام تملأ رؤوسهم وجروح لا يخلو منها موضع بالجسد. وجوهر القضية أعمق من خلاف على سلاح أو تقنية، إذ يلمس عصبًا وجوديًّا عاريًّا، ويتعلق عضويا بإمكانات التعايش والبقاء.
يُضرَب موعد للقاء فى فيينا بعد أسبوع، فتُضرَب الصواريخ فى اليوم التالى. مُلِئ البحر بالأرمادا، وجاءت طيور النار من البر والجو. يعرف الشيطان الأكبر أهدافه بدقة، فيما يُخطئ الملائكة فى المراسيل كعادتهم، فيخسرون مرتين.
يجيد الأمريكيون حياكة السجّاد أيضًا، وفرشوا واحدة بطول الهضبة وعرضها. خسائر يتعذّر حصرها أو الإحاطة بها، وردود تسقط فى حِجر الخليج، فتُثير غضبة الجيران، ولم تكن الملالى فى رفاهية من إذكاء العداوات، جديدها والقديم.
فوّت المرشد ورجاله مواعيد كثيرة، فأطبق الوقت عليهم بساعاته وعقاربه. اختزلوا الأزمة فى التخصيب وأرصدة اليورانيوم، وفى تجزئة الملفات وإغراء سيد البيت الأبيض بالصفقات والرِّشى، وكان الامبراطور، مُحترف البزنس وهاوى السياسة، يُصوّب على هدف أكبر.
بيانه فى فاتحة القصف يتخطّى مدار الردع والتأديب، ويمتد للتلويح بإسقاط النظام. يُعدّد الجرائم منذ اللحظة الأولى، ليُدبّج صحيفة سوابق للعمائم السوداء منذ انتصابها على رؤوس الحُكّام المُعمّمين.
من عادته التضخيم، إنما لا يُؤمَن تمامًا ألّا تسرقه الأوهام. هدم العمارة العتيقة قد يكون مُغريًّا لمُطوّر عقارى، غير أن مُلكية الأرض محلّ نزاع، وتقليبها سيُخرج ما فى جوفها من زيت وبارود وزواحف وأحقاد تاريخية. لا أُفق للسياسة، ولا عقل لَمن يُراهن على اختفاء أبنية ضخمة فى لمح البصر.
لا يُمارى فى هشاشة النظام، إن كَنّا نتقصّد الشرعية الشعبية والعلاقات وعناصر القوّة الشاملة، غير أنه صلب للغاية من داخله.
غراء العقيدة يُوطّد الرباط بين أجزائه، وبنيته شديدة التركيب مُصمّمة لتخليق التوازن من داخلها، وبما لا يسمح باستبداد فريق بآخر، ولا بانقلاب قصر خشن أو ناعم.
المُرشد كل البلد، ولا شىء فى الوقت نفسه. رمزيته الروحية تضاعفت بالاغتيال، فأضحى لدى قاعدته والموالين له كربلاء جديدة وحسين ثانٍ.
يُدير عبر أجهزة رديفة، أعلاها بيت القيادة، وتتجاور ثلاثية المجالس: الخبراء، وصيانة الدستور، وتشخيص مصلحة النظام، مع توازنات دقيقة وغير انفرادية بين الأجنحة الأمنية والتنفيذية وغيرها.
يُمكن للمنظومة أن تمضى بغياب أحد مكوناتها، مهما بدا مُهمًّا. وتتولى بقية العناصر سدّ الفجوات، وتخليق البدائل. الأذرع الخارجية لم تكن نتوءًا، إنما جزء من فلسفة النظام وحمضه النووى، فهو أخطبوطى بالأصالة.
لا تسقط الأنظمة بالطائرات، ولن يُطوّر ترامب عمليته لغزو برى. وسيأنف الإيرانيون من انتفاضة يُحتَمَل أن تكون على إيقاع الصهاينة وهواهم. رهان الغُزاة على الداخل، وفرصة النظام أيضًا، والانفجار الشامل أبعد الاحتمالات، وأسوأها حال وقوعه.
تحتاج السلطة بديلا أكثر براجماتية، وورشة إصلاح غير شعاراتيّة. أما واشنطن فعليها أن تُخلّى هامش نجاة، ولا تصكّ مُعادلتها بالثنائية المُغلقة: التسليم أو الرحيل، لأنها ستحوّل الجولة لمعركة وجود.. أغلب الظن أن الحرب انتهت، ويظل الخوف قائمًا من مخابيل الجانبين.