دينا عبد العليم تكتب: حكمة (الرمادى) فى صحاب الأرض يرسخ المعنى .. عالم مختنق فقد وضوحه وسط أيام بلا فواصل وشوارع بلا معالم

الإثنين، 02 مارس 2026 11:31 م
دينا عبد العليم تكتب: حكمة (الرمادى) فى صحاب الأرض يرسخ المعنى .. عالم مختنق فقد وضوحه وسط أيام بلا فواصل وشوارع بلا معالم دينا عبد العليم

في شوارع غزة، لا يوجد لون، ولا يبدو للمكان معلم أو سمة، الكل باهت يحمل لون الرماد، وقد يتخيل البعض أن اختيار هذا اللون حتميًا كتجسيد لواقع مهدم ومحترق، لكن الإصرار عليه في غالبية مشاهد المسلسل يؤكد أن وراء هذا الاختيار حكمة فنية صارخة، فحوّل اللون من كونه خلفية جمالية معبرة عن الحالة لكونه بطلًا أساسيًا في الأحداث، ولغة بصرية موازية للحوار، وكأنه العنوان الخفي للأحداث التي يمر بها أهل غزة.

اللون الرمادي في مشاهد المسلسل لا يصرخ، لكنه يرسّخ في القلوب إحساسًا طويل الأمد بأن العالم فقد وضوحه، والأيام صارت بلا فواصل واضحة بين الليل والنهار، شوارع متشابهة بلا معالم، فالرمادي هنا ليس حيادًا، بل هو أثرٌ ممتد لما خلفته الحرب على غزة، وهذا ما جعل اللون قرارًا واعيًا لخلق حالة من الاختناق الصامت.

حين تتراجع الألوان من الكادر، يتراجع معها الإحساس بالطمأنينة، البيوت تبدو أقل دفئًا، والسماء أقل رحابة، والوجوه محاطة بهالة باهتة توحي بأن الضوء نفسه متعب. هذا التكوين البصري لا يصف الدمار مباشرة، بل يصف ما يفعله الدمار في الروح. كأن الحياة لم تُسلب بالكامل، لكنها لم تعد مكتملة؛ شيء ما فقد التوازن، وأحدث خللًا لما هو طبيعي.

تجسيد حال أهل غزة في المسلسل لا يأتي عبر مشاهد صاخبة فقط، بل عبر هذا المناخ الرمادي الذي يغلّف التفاصيل اليومية. الحرب لا تقتصر على الانفجار، بل تمتد إلى ما بعده؛ إلى الأحاديث المبتورة، والنوم القلق. تأجيل كل شيء لملاحقة أي شيء، الرمادي هنا هو الانتظار، لون الأخبار التي قد تحمل بشرى أو فاجعة، لون المسافات التي تفصل بين الأمل والخوف، وكأنه طوال الأحداث مساحة معلّقة بين احتمالين متناقضين، يعيش فيها الإنسان وهو يحاول أن يحافظ على اتزانه وسط اللايقين.

ينجح العمل بالرمادي في تحويل اللون إلى موقف أخلاقي. فبدل أن يلجأ إلى ألوان حادة تفرض انفعالًا مباشرًا، يختار أن يترك المشاهد داخل منطقة رمادية، حيث لا يمكن الهروب إلى راحة الأبيض ولا الاستسلام لظلمة الأسود،
لون لا يسلبك الأمل ولا يمنحك إياه، بل يظل يعبث به أمامك عبر ضحكة طفل أو ضوء شمعة أو لحظة رومانسية بين حبيبين أو خبرًا تزفه زوجة لزوجها، ثم فجأة تسمع صافرات الإنذار أو صوت الطائرات فيختفي الأمل تمامًا، وهنا يتحول اللون في أحداث صحاب الأرض إلى خطابٍ صامتٍ لكنه بالغ التأثير: أن ما يعيشه أهل غزة ليس مشهدًا عابرًا، بل زمنًا رماديًا ممتدًا، تُختبر فيه قدرة الإنسان على البقاء، وقدرة صاحب الحق على الانتصار لقضيته عبر الإيمان بها والصمود أمام هذا الرمادي، فترى هل أراد بيتر ميمي أن يضع بهذا الرماد مرآة للموات أمام أعيننا؟ أم أراد أن يزف لنا البشرى عبر استلهام أسطورة العنقاء التي تبعث من رمادها بعد تمام الاحتراق؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة