شهدت الجلسة العامة لـمجلس النواب برئاسة المستشار هشام بدوي، أمس مناقشات موسعة حول المادة (18/ الفقرة الأولى/ بند «د») من مشروع تعديل قانون الضريبة على العقارات المبنية الصادر بالقانون رقم 196 لسنة 2008، وسط جدل دستورى بشأن ما تضمنته من تفويض مجلس الوزراء – بناءً على عرض الوزير – فى زيادة حد الإعفاء المقرر للوحدة السكنية الخاصة، فى ضوء الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية.
وتنص المادة محل الجدل،على إعفاء الوحدة العقارية التى يتخذها المكلف سكناً خاصاً رئيسياً له ولأسرته، إذا قل صافى قيمتها الإيجارية السنوية عن 100 ألف جنيه، على أن يخضع ما زاد على ذلك للضريبة، مع تعريف الأسرة بأنها تشمل المكلف وزوجه والأولاد القُصّر، كما أجازت الفقرة الأخيرة لمجلس الوزراء زيادة حد الإعفاء وفقاً للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
صلاح فوزي: حالات الإعفاء اختصاص حصري للبرلمان
وأثار الدكتور صلاح فوزي، عضو مجلس النواب والفقيه الدستورى، شبهة عدم دستورية الفقرة الخاصة بتفويض مجلس الوزراء، مؤكدًا أن نص المادة يتعارض مع المادة (38) من الدستور التى تقضى بأن إنشاء الضرائب العامة أو تعديلها أو إلغاؤها لا يكون إلا بقانون، ولا يجوز الإعفاء منها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون.
وأوضح فوزى أن الغاية من النص – رغم نُبلها ومراعاتها للاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية – تتصادم مع المبدأ الدستورى القاطع بأن القانون وحده هو الذى يحدد حالات الإعفاء، مشددًا على أن هذا الاختصاص «حصري للمشرّع ولا يجوز التفويض فيه».
وأشار إلى أن المادة 38 من الدستور الحالى تقابلها المادة 119 من دستور 1971، والتى أكدت ذات المبدأ، لافتًا إلى صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا فى الدعوى رقم 35 لسنة 13 قضائية دستورية، والذى قرر أن حالات الإعفاء يحددها القانون، وأن أحكام المحكمة ملزمة لجميع سلطات الدولة.
مقترح بحذف الفقرة وإعفاء المسكن الخاص بالكامل استنادًا إلى المادة 78 من الدستور
وطالب فوزى بحذف الفقرة الخاصة بالتفويض، واقترح استبدالها بنص يعفى المسكن الخاص إعفاءً كاملاً، مستندًا إلى المادة (78) من الدستور التى تبدأ بعبارة «تكفل الدولة»، معتبرًا أن الكفالة الدستورية لحق السكن تبرر إعفاء المسكن الخاص – المحدد بواحد فقط وفق بطاقة الرقم القومى – من الضريبة.
كما أشار إلى البعد العملى والاقتصادى للنزاع، موضحًا أن قضايا الضرائب تشهد أعدادًا كبيرة أمام المحاكم، لافتا إلى أن «اقتصاديات التقاضى» تقتضى إعفاء المسكن الخاص لتقليل المنازعات، محذرًا من أن الإبقاء على التفويض قد يفتح الباب لدعاوى إلغاء أمام مجلس الدولة، سواء ضد قرارات إيجابية أو سلبية بالامتناع عن زيادة حد الإعفاء.
وقال: «الاختصاص المالى للبرلمانات هو أصل وجودها تاريخيًا، فلماذا نقتطع منه ونمنحه للسلطة التنفيذية؟ ولو كان هناك اتجاه لزيادة حد الإعفاء، فليأتِ به إلى مجلس النواب».
الحكومة ترد: النص دستورى والتمييز واضح بين الإنشاء والإعفاء
من جانبه، أكد الدكتور رمضان صديق، مساعد وزير المالية ممثل الحكومة، أن النص الخاص بالسكن الخاص ليس جديدًا، وأنه سبق الطعن عليه أمام المحكمة الدستورية بدعوى أنه يفرض ضريبة على غير الدخل، إلا أن المحكمة قضت بدستوريته فى الدعوى رقم 96 لسنة 22 قضائية بجلسة 10 مارس 2022.
وأوضح أن المحكمة فرّقت بين فرض الضريبة على الدخل وفرضها على واقعة أخرى، مؤكدة دستورية النص.
أما بشأن التفويض، فأكد "صديق" أن هناك فارقًا دستوريًا بين إنشاء الضريبة أو تعديلها – وهو أمر لا يكون إلا بقانون – وبين الإعفاء فى الأحوال التى يبينها القانون، مشيرًا إلى أن النص المعروض لم يمنح إعفاءً مطلقًا، بل حدد حالة الإعفاء وقدره، وترك لمجلس الوزراء تحديد مقدار الزيادة وفق ضوابط مرتبطة بالاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف أن السلطة التشريعية هى التى «تقبض بيدها على زمام الضريبة» من حيث تحديد نطاقها ووعائها ومقدارها، بينما أجاز الدستور أن يكون الإعفاء فى الأحوال التى يحددها القانون، وهو ما تحقق فى النص المطروح.
سجال حول الطعن القضائى و«القرار السلبى»
وعاد فوزى للتأكيد أن قرارات مجلس الوزراء – حال تفويضه – تعد قرارات إدارية يجوز الطعن عليها أمام مجلس الدولة، سواء كانت قرارات إيجابية أو سلبية بالامتناع عن زيادة حد الإعفاء، معتبرًا أن ذلك يفتح بابًا لمنازعات كان يمكن تجنبها لو بقي الاختصاص داخل البرلمان.
وفى المقابل، رأى ممثل الحكومة أن الحديث عن الطعن مسألة نظرية، مستبعدًا أن يتضرر أحد من قرار بزيادة حد الإعفاء.
مطالبات بتوسيع مظلة الإعفاء
مقترحات بديلة لتقييد التفويض ..وحزب التجمع يقترح شمول فئات اجتماعية إضافية
وشهدت المادة أيضًا مطالبات بتوسيع نطاق الأسرة المستفيدة من الإعفاء، حيث طالبت نائبة عن حزب التجمع بإعفاء السكن الخاص وتوسيع تعريف الأسرة ليشمل من يستحقون النفقة على المكلف أو زوجه، ومن بينهم ذوو الإعاقة والبنات غير المتزوجات المقيمات فى منزل الأسرة.
وأكدت أن التعديل المقترح لا يستهدف تقليل الحصيلة، بل يهدف إلى تحقيق «حد الستر وحد الأمان الاجتماعى» بما يتسق مع فلسفة العدالة الاجتماعية.
تحديد سقف للزيادة لا يتجاوز 50%
من جانبه، اقترح النائب هشام محمد بدوى حذف الفقرة الأخيرة المتعلقة بالتفويض، تأسيسًا على شبهة عدم الدستورية.
كما تقدم باقتراح بديل يقضى بالنص صراحة على جواز زيادة حد الإعفاء بما لا يجاوز 50% من القيمة المحددة بالقانون، استنادًا إلى مؤشرات اقتصادية واجتماعية رسمية معتمدة من وزارة المالية، على أن يُنشر القرار فى الجريدة الرسمية، بما يحقق رقابة وضبطًا تشريعيًا أوضح.
بين العدالة الاجتماعية والانضباط الدستورى
وعكست المناقشات حالة من التوازن الدقيق بين الحرص على العدالة الاجتماعية وتوسيع مظلة الحماية للأسر، وبين الالتزام الحرفى بالنصوص الدستورية وضمان عدم المساس بالاختصاص التاريخى للبرلمان فى الشأن المالى.
المجلس يحسم الأمر
وحسم مجلس النواب، فى النهاية الجدل الدستورى المصاحب للمادة (18/ الفقرة الأولى/ بند «د») من مشروع تعديل قانون الضريبة على العقارات المبنية، بعدما وافق عليها كما انتهت إليها اللجنة المختصة، ثم أقر مشروع القانون بصفة نهائية.
وجاءت الموافقة عقب مناقشات مطولة شهدتها الجلسة السابقة، دارت حول مدى دستورية النص الذى يجيز لمجلس الوزراء – بناءً على عرض الوزير – زيادة حد الإعفاء المقرر للوحدة السكنية التى يتخذها المكلف سكنًا خاصًا رئيسيًا له ولأسرته، فى ضوء الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية.