أحمد المالكى

المعادلة في زمن الاضطراب

الإثنين، 02 مارس 2026 01:22 م


نعيش مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة والعالم، أحداث متسارعة، صراعات معلنة وأخرى خفية، ضجيج إعلامي لا يتوقف، ومساحات مفتوحة لكل رأي مهما كان سطحه أو عمقه.

في هذا المناخ، يصبح السؤال الجوهري: كيف يتصرف الإنسان المسؤول؟ ما أولوياته؟ وما موقع العلم، والوعي، والوطن في معادلة حياته؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا بقاء لمجتمع بلا علم، ولا استقرار لوطن بلا وعي، ولا نجاة لفرد بلا توازن.

أولًا: العلم حجر الأساس:
العلم ليس مجرد معلومات نحفظها، ولا ثقافة عامة نتباهى بها. العلم هو البوصلة التي تحدد الاتجاه عندما تختلط الطرق، وتضع حدودًا فاصلة بين الثابت والمتغير، بين ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يقبل العبث.
ففي زمن الفتن الفكرية، تصبح المعركة على مستوى المفاهيم قبل أن تكون على مستوى المواقف، تُعاد صياغة الكلمات، وتُلبس الأفكار أثوابًا جذابة، وتختلط القيم حتى لا يكاد الناس يفرقون بين الحق والباطل.
هنا تظهر قيمة العلم الراسخ، فمن كان مؤسسًا على فهم صحيح، لا تزلزله كل موجة، ولا تهزه كل عاصفة.
مع التأكيد على أن العلم الحقيقي لا ينتج تعصبًا، بل ينتج اتزانًا، لا يصنع صخبًا، بل يصنع بصيرة، لا يدفع صاحبه إلى التهور، بل إلى التثبت.

ثانيًا: الوعي قراءة الواقع بلا انفعال:
في المقابل، لا يمكن أن نطلب من الناس أن يعيشوا في عزلة عن واقعهم؛ فالوعي السياسي والمعرفي جزء من الشخصية المسؤولة، أن تعرف ما يجري حولك، أن تفهم التحديات التي تمر بها بلادك، أن تدرك طبيعة المرحلة، كل ذلك ليس فضولًا، بل واجبًا أخلاقيًا.
لكن الوعي يختلف عن الانغماس؛ فالمتابعة تختلف عن الإدمان، والفهم يختلف عن الانفعال؛ فليست كل قضية تحتاج رأيًا فوريًا، وليست كل أزمة تتطلب تعليقًا، وكثرة الكلام لا تعني عمق الفهم، وكثرة المتابعة لا تعني جودة التحليل.
والوعي الصحيح يقوم على ثلاث ركائز فيما ارى - والله اعلم - :
1- التحقق من المعلومات قبل نشرها.
2- فهم السياق قبل إصدار الأحكام.
3- معرفة حدود الدور الشخصي.
عندما يغيب هذا الانضباط، يتحول الاهتمام بالشأن العام إلى توتر دائم، وينتقل القلق من الشاشات إلى البيوت والقلوب.

ثالثًا: التوازن، المعادلة الصعبة:
نحن لا نحتاج إلى مفاضلة بين العلم والوعي، بل إلى تكامل بينهما؛ فالعلم يؤصل، والوعي يبصر، والعبادة تزكي.
فإذا غاب العلم، صار الوعي انفعالًا، وإذا غاب الوعي، صار العلم جمودًا، وإذا غابت التزكية، ضاعت النية وفسدت المقاصد.
التوازن يعني أن نتابع الأحداث بعين واعية، لكن بقلب مطمئن، أن نهتم، لكن دون أن نستنزف أنفسنا، أن نفهم، لكن دون أن نتجاوز حدودنا.

رابعًا: حفظ مصر مسؤولية جماعية:
الوطن ليس مجرد أرض نسكنها، بل كيان يحفظ لنا الأمن والاستقرار والهوية.
استقرار البلاد نعمة عظيمة، وإذا اهتز — لا قدر الله — تأثرت معه حياة الناس كلها: الأمن، الاقتصاد، التعليم، العبادة، الأسرة.
مصر تحديدًا دولة ذات ثقل تاريخي وجغرافي وحضاري، استقرارها ليس شأنًا داخليًا فقط، بل عنصر مهم في استقرار محيطها.
لذلك فإن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد قبل أن تصل إلى المؤسسة.
والفتن غالبًا تبدأ بكلمة، أو منشور، أو إشاعة غير دقيقة، ومن هنا تأتي خطورة الاستهانة بالكلمة. الوعي الحقيقي أن تسأل نفسك قبل أن تنشر: هل هذا ينفع؟ هل هذا موثوق؟ هل هذا يخدم الاستقرار أم يربك الناس؟

خامسًا: الجيش المصري صمام أمان الدولة:
أي دولة في العالم تقوم على مؤسسات، ومن أهم هذه المؤسسات المؤسسة العسكرية، ولذا فإن الحفاظ على الجيش المصري يعني الحفاظ على أمن الحدود واستقرار الداخل.
ولا بد أن نعلم أن قوة الجيوش لا تقاس فقط بالعتاد، بل بثقة شعوبها فيها وتماسك الجبهة الداخلية؛ فالوطن أمانة، والعلم أمانة، والكلمة أمانة.

نسأل الله أن يحفظ مصر آمنة مستقرة، وأن يحفظ جيشها ورجالها، وأن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا، ووعيًا رشيدًا، وقلبًا ثابتًا، وأن يجنب بلادنا كل سوء وفتنة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة