كثيرون يظنون أن الطريق إلى الله قائم فقط على الخوف، لكن اسم الله "الشكور" يقول شيئًا آخر، أن الله يشكر رجوعك، ويشكر محاولتك، ويشكر ضعفك حين تستحى منه، فلا يعود طريق التوبة طريقًا مظلمًا، بل طريقًا يمتلئ برجاء أن كل خطوة فيه محسوبة ومشكورة.
واسم الله الشكور فى القرآن الكريم، ورد فى أكثر من موضع، منها، قول الله تعالى: "إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ شَكُورٌ" (الشورى: 23)، "وَمَنْ يَتَطَوَّعْ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 158)، "إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا" (الإنسان: 22)، أى مقبولًا مثابًا عليه.
واسم الله الشكور فى اللغة، فى لسان العرب لابن منظور، مادة (ش ك ر)، "الشُّكر: الثناء على المنعم بما أولى من معروف… والشَّكُور: المبالِغ فى الشكر، وفى مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني: "الشكر: تصوّر النعمة وإظهارها… والشكور من الناس: من يُثنى على المنعم ويستعمل النعمة فى طاعته، والشكور من الله: هو الذى يثيب على العمل القليل الثوابَ الجزيل."
إذًا، صيغة "فعول" فى "شكور" صيغة مبالغة، تدل على: كثرة الشكر، وعِظَم أثره، واستمراره، لكن شكر الله ليس كشكر البشر، فشكر العبد ثناء واستعمال للنعمة فى الطاعة، أما شكر الله فهو جزاء وإنعام وتضعيف للثواب.
واسم الله الشكور عند المفسرين، يفسر الطبرى قوله تعالى: "إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ شَكُورٌ" (الشورى: 23)، فيقول إن الشكور "هو الذى يشكر اليسير من العمل فيعطى عليه الكثير من الثواب، ويقبل القليل من الطاعة، ويثيب عليها أضعافًا مضاعفة."
ويقول ابن كثير عند تفسير الآية نفسها، "غفور: لذنوب عباده، شكور: يثيب على العمل القليل بالثواب الجزيل"، ويقول عبد الرحمن السعدى فى تفسيره: "الشكور: الذى يشكر اليسير من عمل عبده، ويعفو عن الكثير من تقصيره، ويضاعف له الحسنات"، ويضيف "أن من آثار هذا الاسم أن الله تعالى "يفتح للعبد أبوابًا من فضله، بسبب نيات صادقة وأعمال قليلة فى ظاهرها، لكنها عظيمة عنده سبحانه."
اسم الله الشكور فى كتب العقيدة والتصوف، يقول أبو حامد الغزالى فى شرح اسم "الشكور": "الشكور هو الذى يعطى على الطاعة نعمةً فوق ما تستحق، فيُثيب القليل بالكثير، ويُنعم بالجنة فى مقابلة عمر قصير من الطاعة، ويثيب على نية الخير ولو لم يعملها العبد لعذرٍ من الأعذار"، ويشير الغزالى إلى أن من دلائل الشكر الإلهي: قبول التوبة، وتكفير السيئات، وتبديلها حسنات أحيانًا، كما فى قوله تعالى: "فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ" (الفرقان: 70).
وفى كتب ابن القيم، مثل "مدارج السالكين" و"زاد المعاد"، يتكرر الحديث عن اسم الله الشكور، ومن معانيه عنده: أن الله يشكر لعبده تركَه للمعصية إذا تركها خوفًا منه، ويشكر له آلام الصبر، فيجعلها رفعة فى الدرجات، ويشكر له محاولاته فى الطاعة ولو شابها نقص، إذا كان صادق النية، ويقول — معنىً — إن من أعظم صور شكر الله لعبده: أن يفتح له بابًا إلى عبادته، ثم يثيبه على هذا الباب الذى فتحه له ابتداءً، فيكون الفضل كله لله سبحانه.
وعليه فإن اسم الله الشكور يعلّم الإنسان أن لا شيء يضيع: دمعة خوف، خطوة فى سبيل خير، كلمة طيبة، صدقة صغيرة، عفوٌ عن إنسان آذاك، كل ذلك محفوظ فى "دفتر الشكر الإلهي"، حتى لو لم يلتفت إليه أحد.
وحين تؤمن بأن الله وحده هو الشكور، تقل حاجتك لتقدير الناس، تعمل لأن الله يرى، لا لأنهم يرون، فتتحرر من ثِقل انتظار التصفيق، ومن مرارة الجحود البشري.