بقلوبٍ يملؤها الوجلُ ممزوجًا بالرجاء، نودعُ في هذه اللحظاتِ المشهودةِ ميقاتَ الرحمة، وواحةَ الغفران، وموسمَ العتقِ من النيران، مستلهمين من جلال هذه الأيام ما ترسخ في مصر المحروسة من قيمٍ راسخة وطباعٍ كريمة، فما كان ذلك الاحتفاء عند الاستقبال، وما عمَّ من زينةٍ واستعداد، إلا فيضًا من ميراثٍ إيمانيٍّ تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل؛ فالموائد العامرة، وتدفق صدقات الإطعام، والمسارعة إلى بذل العون، ليست عاداتٍ عابرة أو ممارساتٍ مألوفة؛ لكنها صورٌ سامية من التكافل والمودة، ووصف واقعي لروح المجتمع المصري حين يتآلف في رحاب أطياف الكرم؛ فلقد شهدت أرضنا من الجود ما يعز نظيره، ومن التراحم ما يندر مثيله، لتبقى مصر دائمًا المثال الأبهى في بذل العطاء وابتغاء الأجر، ولتظل هذه العادات نورًا هاديًا يرافقنا حتى نبلغ هلال الخير في العام القادم.
مع غياب شمس شهر الرحمات، وحلول ميقات الوداع لأيام عطّرتنا بالرحمة، وغمرتنا بالمغفرة، وزفت إلينا بشائر العتق من النيران، نرقب بأسى رحيل تلك الأيام التي لم تكن شعائر تقام؛ إذ كانت معرضًا لسمو الأخلاق ورقي التعامل؛ ففي رحاب شهر الإحسان، تجلت عبقرية المحروسة حين تعانق صيام الإخوة الأقباط مع صيام المسلمين في توافق بديع من حسن الطالع، فغدت الموائد قبلة للتآزر، وأصبح توزيع الوجبات بأيدي الأشقاء الأقباط قبيل الغروب رسالة محبة تقرأها العيون قبل الألسن؛ لقد ودعنا شهرًا أثبت فيه المصريون أن المواطنة إحساس راق، يمنع المفطر من الجهر بإفطاره إجلالًا للصائم، ويدفع الصائم إلى بذل الود لغيره احترامًا، ليتمخض هذا المزيج الإنساني عن لوحة من التواد الاجتماعي، ولتظل ذكريات هذا التلاحم زادا للأرواح حتى يعود إلينا الشهر في قابل الأعوام.
مضت الأيام سراعًا وأذن شهر الرحمات بالرحيل، بعد أن بلغ الاستعداد النفسي ذروة الصفاء، وبينما كانت آذانُنا بالأمس تطرب بكلمات الترحيب العذبة، باتت القلوب اليوم ترتعد لمشهد الوداع المهيب، وانقضت أيام المغفرة والعتق، تاركة فينا أثرًا لا يمحى من الدراما الوجدانية، التي جسرت أسمى معاني الفضيلة، وبثت في النفوس مواعظ تفيض عبرة وإيمانًا؛ ففي شهر الكرم تعلمنا أن العمل الطيب هو الأثر الخالد الذي يضيء مسارنا في الحياة ويؤنسنا بعد الرحيل، راجين من الله أن نكون ممن استوجبوا رحمته وفازوا بجائزة العتق من نيرانه.
نودع أيامًا عبقت بالرحمة، وليالي تزينت بالمغفرة، وساعات نرجو فيها العتق من النيران؛ نودع رمضان، فقد كانت شعائره مناخًا داعمًا استدام فيه السلام بين أطياف المجتمع المصري كافة، مسلمين وأقباطًا، تعانقت في ظلاله القلوب قبل الأيدي؛ لقد غادرنا الشهر ليترك فينا نسيجًا قويًا لا تمزقه التحديات، ومجتمعا مصبوغًا بالاستقرار، يرفض التمييز وينبذ الشحناء، مؤمنًا بأن الحياة الكريمة حق للجميع دون استثناء، وكما كنا في رمضان يدا واحدة، أفرادًا ومؤسسات، نواجه الصعوبات برضا وتسامح، فإننا نعاهد الله وأنفسنا أن يظل هذا الوئام منهجا لا ينقطع برحيل الهلال؛ فيا ليت كل الشهور رمضان، في طهر النفوس، وفي تلاحم الصفوف، وفي هذا الفيض من السكينة التي جعلت من الوطن محرابًا كبيرًا يجمعنا على المحبة والوفاء.
بينما نودع هذه الأيام الفضيلة، تظل الألسن تذكر ما عايشته من ممارسات البر والخير بمختلف أشكالها، ونختتم رمضان ونحن متمسكون بأثر السداد في الدارين، محتفظين بالروح التي صهرت الجميع في بوادر الخير والتراحم؛ فصدى المدفع قد صمت، لكن ذكراه وأثره في نفوسنا ما زالا حيَّين، وتستمر تجربة هذا الشهر في تشكيل سلوكياتنا وقيمنا، وجعل زاد التقوى الذي اكتسبناه رصيدًا ثابتًا ينير الطريق حتى ظهور هلاله من جديد.
ها نحن نودع نفحات إيمانية كانت للأرواح سقيا وللقلوب مرفأ أمان، نودع شهر الدعاء والرجاء الذي أحيا فينا قيم الوصال والتسامح، وبينما يتهيأ الهلال للرحيل تقف النفوس خاشعة تتأمل ما قضيناه في رحاب العبادة وتلاوة القرآن تدبرًا ومعنى؛ وداعًا يا شهر التكافل والتراحم الذي علمنا أن العطاء هو الزاد الحقيقي لنيل الرضا، لقد كان رمضان معراجًا ترتقي فيه أعمال البر وتتمثل فيه القيم السامية؛ نودع أيام الرحمة والمغفرة وفي القلوب لوعة الفراق ونبض الأمل بأن يتقبل الله منا صالح الأعمال، وأن يديم على مصر وشعبها فيوض الخير والسكينة، وكل عام وأنتم بخير.. ودي ومحبتي للجميع.
__
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر