حازم حسين

حمقى فى دوامة مُغلقة

الخميس، 19 مارس 2026 02:00 م


طبع الحروب أنها تكبر كلما تدحرجت كرة النار، ولا تبرد طالما ميدانها مفروش بالبارود.

غير أن فئة منها تشبه الحزن؛ تندلع من الذروة، وتذبل مع الأيام. والنسخة الدائرة على المسرح الإيرانى من الصنف الأخير.

لا جديد من جهة الولايات المتحدة؛ باستثناء أن يتمادى ترامب إلى جنون الغزو البرى.

ومع الاعتقاد باستحالته عمليا، فلا شىء سيتأتّى فى المقبل أكبر من قطاف أعناق المرشد وزُمرته الضيقة، واستباحة سماء فارس كلها، وتسييج أرضها بالنار من كل ناحية.

أشد الضربات وقعا كانت قبل يومين. الأشد على الإطلاق، وربما أثرها أعلى من إطاحة العمامة الأعلى.

ذلك أن على لاريجانى ليس شخصا عاديا، ولا مجرد حلقة فى سلسلة القيادة، ستُعوَّض ببديل سريع من القائمة الاحتياطية.

نصف جنرال ونصف فقيه، وأستاذ للفلسفة، مع خبرة طويلة بالسياسة والإعلام والتفاوض، وبعقلية الغرب وتوازنات الشرق.

كان الرجل الثانى. وإن شئت الدقة؛ فالأول مُكرّر، والأهم أنه عقدة محورية للنظام، أو الخادم المركزى لشبكته العصبية كلها.

أبقى المرشد الجديد على الحرس القديم، رجال والده؛ لا لشىء إلا وجود لاريجانى ضابطا للاتصال والإيقاع.
مقتله يهدد بالتصعيد، وأقله إطالة الانسداد، أو يُبشّر بالحلحلة وتجميد المشهد على حاله.

مفارقة الصراع الثلاثى مع واشنطن وتل أبيب؛ أنه مفتوح على كل الاحتمالات، ولها جميعا حظوظ متكافئة من الوجاهة.
يمكن لترامب أن يحزم العتاد ويلملم بوارجه فجأة، وقد يستمر أسابيع أو شهورا. إسرائيل تحت طوعه، وقادرة على تحريف موجته أيضا.

والإيرانيون يُقرون فى دواخلهم بالهزيمة، يزعمون النصر، ويُعلون الراية الانتحارية، فيما يتمنون بكل جوارحهم أن تهبط القاذفات وتتوقف أمطار القنابل.

أُخِذَت الصورة على عواهنها، ودون تدقيق أو تفكيك. والحال؛ أن الجولة الدائرة ليست حربًا بالمعنى الدقيق؛ ولهذا أسباب عِدّة.

التوازن مفقود، والأهداف غائبة، وليست امتدادًا للسياسة، ولا مُتّصلة بها من طرفٍ خفىّ. ويبدو أنها مُحاولة هروب للأمام فى واشنطن، وردّ الزمن للوراء فى تل أبيب.

اعتدى الصهاينة والأمريكيون على الملالى؛ فردّ الأخيرون بالعدوان على الخليج. فكأنهم يتآمرون على أنفسهم: ينزفون دمًا بالضربات المُباشرة، ومكانة وعلاقات باختصام الجوار.

الندم سيد الموقف، مُعلَنًا كان أم مكتومًا، والجميع يدورون فى دوّامة مُغلقة.

مع كل الحماقات المرئية، يصعب أن يكون أصحابها راضين عن أحوالهم. ربما لو خُيّر ترامب؛ لاختار أن يعود لِما قبل إعطاء أمره بالضربة الأخيرة.

حماس تتمنّى ساعة واحدة مِمّا قبل السابع من أكتوبر، وحزب الله أيضًا، وإيران ستكون أول المرحبين بالسباحة عكس عقارب الساعات، والقفز إلى أبعد لحظة مُمكنة عن كربلائيّتها الجديدة.

نتنياهو الوحيد الذى يُحب دراما السنتين الأخيرتين على ما هى عليه. من غزة إلى دمشق وطهران، مرورا بالضفة والحدود الشمالية وضاحية بيروت الجنوبية.

له فى كل محطّة مغنم، وما يزال يُنفذ مخططه، ويربح بأخطاء الآخرين وغباوتهم.

ذهب سيد البيت الأبيض مدفوعًا بأطماعه، مغرورا بقرصنته فى فنزويلا، هاربا من أوراق إبستين، أو مسحوبًا بتخريجة إسرائيلية مُحكمة.

كل الأسباب سواء، الراجح منها والمرجوح؛ لأنه هناك، والبحث الآن عن سُبل الانصراف، لا أسباب الحضور.
ولا شكّ فى أنه كان يُمنّى النفس بسَفرة سريعة، ونجاحات تُضاف لاتفاق غزّة وتجميعة مجلس السلام؛ ليُرتّب فوضى الداخل، ويتحضّر لانتخابات التجديد النصفى. وطال عليه ما كان يرجوه قصيرًا.

لديه نقاط فى رصيد حسابه؛ بإمكانه أن يصرفها فى أى وقت، ليُعلن النصر ويُغادر الميدان. إنما مزايا البقاء أكبر، ومخاطره أيضًا، وثقته فى نفسه تضرب كل منطق، وتُعسّر الفهم على أعتى المُحلّلين.

قد يقبل بالجزء هربًا من سيولة الزمان والمكان، وقد تضطّره الكُلفة المتصاعدة للرحيل. إسرائيل تطمع فى مواصلة الاستنزاف؛ تعويلاً على تأليب الشارع للإجهاز على النظام.

قِيل إن مُجتبى رفض عرضا من بلدين وسيطين لوقف الحرب. صحيح أنه معروف بتشدّده، والأوان يطيب للصقورية، وتزدهر فيه نزعات الثأر والانتحار؛ غير أن باعثه يتأرجح بين طلب اتفاق واضح، ورفع الكُلفة لضمان عدم التكرار.
خسرت طهران الحرب، والإقليم، وهالة النظام مع الدفاعات المتقدمة وطموحات تصدير الثورة، وربحت مضيق هرمز.
وقد انتقل من الفكرة للتطبيق، وصار إغلاقه واقعًا قابلاً للتجدد، وليس تهديدًا عابرا، مع ما يجرّه عليها من شرور وعداوات.

وإلى ذلك؛ فلديها نافذة ضيّقة للنجاة، وتضيق مع الوقت، قبل أن تنسدّ أبواب الإصلاح، وتستفحل غضبة الشارع.
أخطر ما تجنيه على نفسها، النظر للحرب على أنها وجودية بالمعنى الصفرى، ولا تقبل القسمة على اثنين.
تَستنزِف وتُستَنزَف، وفارق القوى ليس فى صالحها. تسلّط عليها الأعداء من الخارج؛ إنما المأزق كله فى شيطانها المُتسلّط من الداخل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة