يتندّر أمريكيون بالقول إنّ بلادهم ظلّت تفوز بالمعارك فى فيتنام، حتى خسرت الحرب فى آخر المطاف.
ولعلَّها الحكمة بأثرٍ رجعى، أو بناء مفارقة كوميدية من مأساة، ربما لم يتعافَ ضحاياها وورثتهم بعد!
كانت المُعادلة مُختلَّةً منذ البداية، وما هبطت على الأرض معجزة سماويّة.
ولأنّ مقاتلى الفيتكونج لم يُحدثوا انقلابا طارئا، ولا فعلها العرايا المَضروبون بقنابل النابالم؛ فإنه الكشف لا الخلق.
والمعنى، أنّ الهزيمة كانت تُحوّم فوق رؤوس أصحابها دومًا، وتجلّت لهم بصورٍ شتّى؛ غير أنهم تعامَوا عنها، ولم يتحلّوا بالرُّشد والمراجعة.
قِيل لإسرائيل فى بادئة عدوانها على غزة، إنها قد تكسب فى التكتيك، وتخسر الاستراتيجية.
أتاها التحذير من وزير دفاع بايدن، وفى الوقت نفسه ظل على مُؤازرته الصلبة لها، ولم يتوقف عن شحن الذخيرة ورعاية المَقتَلة.
وحدث ما كان يُخشَى منه. صحيح أنها دمّرت القطاع، وقتلت سبعين ألفًا وأكثر، مع ثلاثة أضعافهم من المبتورين والجرحى؛ إلّا أنها تضرَّرت فى السياسة والمَكانة، وفى تداعى السردية الزائفة.
تنزف فلسطين؛ فتُطوِّق عدوَّها بالعار والدم!
على أنَّ ما فات، لا يُبرّئ حماس قطعا، ولا يعفيها من المُقامرة بالقضية وأهلها، والارتهان لحسابات الأيديولوجيا والأحلاف.
خاسران مع قدرٍ من التفاوت؛ ولا رائحة للنصر هُنا وهناك.
استدرجت الفصائلُ ذئبًا جائعا، فى أشدِّ حالاتها ضعفًا، وجرّت وراءها حزب الله وبقية المُمانَعة، بعدما غذّت غريمها بالذرائع والمُشهّيات.
استفحل الداءُ، وآل اختلالُ الأوزان المُقيم لعقودٍ، إلى انعدام كاملٍ وشبه نهائى لتوازن القوى.
تشعر من الطوفان أن السنوار ورجاله ما فتحوا صفحة من كتاب النكبة.
وتكاد تجزم من مراقبة المآلات؛ بأن الصهاينة جلسوا على طاولة الترتيب، وأعدّوا الخطّة معهم، وكانوا جاهزين سلفًا بالردّ الغشوم.
لا شىء يأتى عفوًا، ولا مصادفة فى النوازل الثقيلة. والأمر بين اثنتين: لُعبة مُهندسة بمكرٍ وعناية، أو يقظة بلا ضفاف، وغابة سيناريوهات لكل الاحتمالات.
فى الغزو العراقى للكويت، أُطلِقَت عشرات الصواريخ على إسرائيل، وتدخّلت واشنطن لمَنع الردّ. جرى احتواء الحادثة شكلاً، وفى المضمون طُبِخَ العقاب على نار هادئة.
كان صدّام بارعًا فى المُزايدة، ولا شىء آخر. استُخدِم ضد إيران الخُمينية، ثم وُرِّث لها!
نزلت مطرقته الثقيلة على رأس الجمهورية الإسلامية. ضربة لأجل الشاه، وثانية للمنافع المُهدَرة، وعشرات الضربات عن رهائن السفارة وضحايا المارينز فى بيروت.
صعد المُرشد الأول على أكتاف الثوّار، والحماسة فى أَوجها، وفتنة النصر تُغرى بالذهاب لآخر المدى؛ لكنه كان الأعقل بالقياس على خليفتيه: خامنئى الأب والابن.
تجرّع كأس السمّ من بغداد، وقرّر أن يُفتّش عن الترياق فى الشام، وفى كل عاصمة تقع على طريق القدس، ولا تُوصِل إليها.
بدا أن مصير الرجلين/ النظامين، انعقد من وقتها. كأنه تكرار لحكاية الراهب المزيّف جريجوى راسبوتين، وتحذيراته للقيصر قبل شهور من ثورة البلاشفة.
أُريد إضعاف الملالى بيد الزعيم المُفدّى، ثم صار مصدر قلق بعد النصر، فاستُدرج لجارته الجنوبية. قُرئت فاتحته عندما كان يتوهّم أن الجغرافيا والتاريخ يسجدان تحت قدميه.
تنبأ راسبوتين بالخراب بعد هزيمة ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى، وبانقراض عائلة القياصرة بمُجرّد الخلاص منه.
ربح العراق جارته الفارسية، فكتب أول سطر فى هزيمته، وأكّدها باجتياح الكويت، وتطلّب التنفيذ اثنتى عشرة سنة.
وللمفارقة، تعاونت العمائم وقتها مع القلنسوات، وأخذت من الإسرائيليين سلاحا لقتال العراقيين.
يمكن أن تعترف إيران بالهزيمة أو تنكرها؛ غير أن ما تعيشه يُذكّر بحكايات مرّت على فضائها، والمقيمون فى الأوهام، محكومون بتكرار الحقائق القاسية.
انكشفت قواها، وتآكلت أطرافها. أمّا ارتهان لبنان من قناة الحزب؛ فيُضيِّع الحليف الهشّ، ولا يفيد القائد المهزوم.
لا سيما أن الاحتلال وحّد الساحات وقتما فرّقتها المُمانعة، وعاد لتفريقها اليوم بعدما سعت طهران إلى ربطها ببعضها.
أى أن كبح الحرب فى الهضبة الفارسية، لن ينعكس على نسختها الأردأ فى «جبل عامل».. تقطّعت السبل، واستوحش الغُزاة!
كان بالإمكان الخلاص من صدام فى بادئة التسعينيات؛ واختير الإضعاف والاحتواء بدلاً من الإطاحة المُتعجّلة.
كان بقاؤه مطلوبا: فزّاعة للجوار، ومُحفّز للمُعادلات، وفسحة لترسيم الخرائط.
يقبض ترامب على الميدان، وبإمكانه الاستمرار أو التوقف. يستنزف خصمًا ضعيفًا، ويُعكّر ماءه مع الجميع، وفى لحظة قد يُعلن النصر ويكتفى بما تحقق.
زنار نار، وسماء مُستباحة، وحشود مارينز مُستدعاة من الإندوباسيفيك، وهامش يضيق على صقور الحرس المُمسكين بخناق الدولة ومُرشدها.
طيف صدّام يلوح فى الأفق؛ وساعات الملالى مُعطّلة، وعلى قلوب أقفالها.