أرى أنَّ التغيير في ماهيته يقوم على فلسفة الشمول، وسياج التكامل، وحيّزٍ من الإفاضة يوقظ في الوجدان الرغبة والعزيمة والإرادة، وهذا ما استهدفه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار في أيامٍ معدودات؛ خوطبت خلالها الأفهام، ودُرِّبت الجوارح، وهُذِّب السلوك، واعتياد الاتصاف بالقيم، ومحبّة الشمائل الكريمة، والتسابق في بثّ الفضائل؛ ومن ثم يخرج المرء من رحلته القصيرة متزوّدًا بسلاح التقوى، منتهجًا مسالك التدبّر في مسارات شؤون حياته؛ ليُراجع كثيرًا من تفاصيلها، ابتغاء أن يعيش في خضمّ مشروعٍ تنمويٍّ داخليٍّ يقوم على نقاء الفطرة وحسن السريرة.
جميل رحلة التغيير في شهر الطيبات عند تتبّع إصرار الإنسان على إصلاح كينونته؛ رجاء أن يكون في عداد الفائزين برضوان الله تعالى؛ ولأجل ذلك تصوم جوارحه عن صور السفه وعظيم الآثام؛ ليصلح القلب، تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، ومن هنا يحرص المرء على مراقبة ذاته، ويسارع إلى مراجعتها وتقويمها؛ فلا مجال للبخل أو اللغو، ولا للتطرّق إلى سبل تُضعف جودة السلوك وتشوّه الممارسة؛ فيغدو العمل واهيًا، ولا ينال صاحبه من الصيام إلا قدرًا من الجوع والعطش، وتبرز قيمة الترفّع في أبهى صورها من خلال سياسة التغافل والتجاوز عن بوّابات الهوى، بل وهجرها عن رغبة صادقة وعزيمة لا تفتر.
ثمرة رحلة التغيير تظهر في قناعة الفرد بآداب الجوارح؛ حيث الإيثار والإصرار على بلوغ الغاية عبر بوابة الصبر الجميل، وهذا ما يدفع المروء إلى السعي وراء معارج الإحسان، ليحصد كنوز الخير الوفير؛ فيشعر بسعادة تبهج القلب والوجدان، وهنا لا تصبح آليات التحول وصورها مقصورة على فترة محددة، ولا مرهونة بزمن الشهر الفضيل؛ فمن عاش في فيض الجود، وعمد إلى بناء جسور الرحمة والمودة، يصعب عليه التوقف عن مسيرة العطاء، لتتواصلَ في سياقها المستدام.
من تذوّق طعم صلة الأرحام في غمار رحلة التغيير، يبادر إلى الفعل الجميل طوال مسيرة حياته رغم زخم الضغوطات، إذ يجد في ذلك راحةً وسكينةً وطمأنينة، ومن ثم ينسج لنفسه طيفًا من المحبة بمزيد من الوصال الحميد، فتذوب الخلافات، وتُبتَر حواجز الفرقة، وتتبدد صور الصراعات، وتتلاشى منابع الضغينة، لتسود الألفة بين القلوب، وتترسخ معاني المودة والتراحم، ويغدو التواصل جسرًا دائمًا للوئام والصفاء.
تُعد رحلةُ التغيير برنامجًا متكاملًا يقوم على تربية النفس، وتحسين ممارسات الجوارح، وضبط الوجدان؛ لنصل من خلالها إلى ملامح شخصيةٍ مسلمةٍ مسالمةٍ، تمتلك من الحيوية والتوازن ما يجعلها توظّف الصمتَ كأداة رئيسة يتخلى بها المرء عن الأفعال التي تضرّ به وتشوّه سيكولوجيته، ومن ثم يلتزم حالة التثبّت عبر بوابة التمسك بشعار إني صائم؛ في معنى عميق يؤكد حسن الخلق في القول والممارسة، وهكذا يمارس الصائم مهمة التطهير؛ فلا مجال لعينٍ تخون، ولا لأذنٍ تتسمّع، ولا لميلٍ إلى ما يخدش الوجدان.
في قلب رحلة التغيير ينال العقل جرعته من خلال بوابة التلاوة التي تحثّه على التدبر والتفكّر في تفاصيل ما يحيط به؛ فيزداد تركيزه ويقلّ شتات بصيرته، فتغدو مراقبةُ الذات ميثاقًا لا يفارقه، ناهيك عن غذاء الوجدان من فيض منهل القيم النبيلة، التي تعيد للروح حيويتها، وتجعلها تطوف في ميادين الخير؛ فتتجدد طاقتها، ويصفو تواصلها مع رب العباد عبر دروب التقرب والتهجّد، بما يورثها الراحة والسكينة والطمأنينة.
رحلةُ السرِّ والعلن التي نسير في عنقود ضيائها، في ليلةٍ هي خيرٌ من ألف شهر؛ ليلةٍ تتنزّل فيها الرحمات وتتناثر فيها العطاءات من الرحمن الرحيم، حيث منحةُ الفائزين برضى ورضوان الله تعالى من عباده المخلصين الصادقين؛ فمن جاد بوقته وجهده، ومن واصل طريق الطاعة، وتواصل ببرّه وإحسانه، ومن جدَّ واجتهد في العبادة والعمل، ومن ثابر وصبر على دروب الخير، وأخلص النية وأحسن القصد؛ فله الحسنى وزيادة.
اللهم اجعلنا في رمضان هذا من العاملين بصلاح أنفسهم، وارزقنا ثبات القلوب، وارفع درجاتنا، واغفر لأمواتنا، واملأ أيامنا بالخير، وارزقنا الصدق في القول والعمل.