كثيرًا ما تعترض الإنسان فى مسيرة حياته لحظاتٌ تتقلَّب فيها الأحوال، وتضيق فيها السُّبل، وتشتدُّ فيها وطأة القلق والحيرة، فيبحث قلبه عن يقينٍ يثبِّته، وعن معنى يردُّ إليه السكينة، وهنا يتجلَّى أحد أعظم المعانى التى يغرسها الإيمان فى نفس المؤمن، وهو حُسن الظن بالله؛ ذلك الشعور العميق الذى يوقن معه صاحبه بأن رحمة الله أوسع من كل ضيق وأرحب من كل همٍّ، وأن لطفه يسبق أقداره، وأن ما يجرى فى هذا الكون إنما يجرى بتقديرٍ إلهى محكم، تُحيط به الحكمة وتكتنفه الرحمة وإن خفيت بعض أسراره على العقول فى بدايات الطريق، فإذا استقرَّ هذا المعنى فى القلب، تبدَّلت نظرة الإنسان إلى الحياة، وانتقل من ضيق القلق إلى سَعة الطمأنينة، ومن اضطراب التوجُّس إلى سكون الثقة؛ لأنه يعلم أن له ربًّا كريمًا لا يخيِّب من رجاه، ولا يضيِّع من قصد بابه صادقًا، ولا يترك عبده المؤمن فريسةً للضياع أو الحيرة.
إن حُسن الظن بالله - أخى القارئ الكريم - مقامٌ إيمانى رفيع، ينبنى على معرفة العبد بربه معرفةً تورث فى القلب الثقة برحمته، واليقين بحكمته، والاطمئنان إلى عدله ولطفه، وذلك أن أحدنا حين يستحضر أن ربَّه هو الرحمن الرحيم، وأن رحمته سبقت غضبه، وأن تدبيره لعباده قائمٌ على الحكمة البالغة، يهدأ اضطراب النفس، وتزول كثيرٌ من المخاوف التى تثقل القلب، ويحلُّ محلَّها يقينٌ راسخ بأن تدبير الله خيرٌ من تدبير الإنسان لنفسه، وأن اختياره سبحانه أرحم وأبقى من اختيار العبد المحدود، وقد فتح القرآن الكريم أبواب الرجاء أمام القلوب المثقلة بالأخطاء، فجاء النداء الإلهى مشبعًا بنفحات الرحمة والرجاء، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِى الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 53)، وهى آيةٌ تُعدُّ من أوسع آيات الرجاء فى كتاب الله، تبعث فى النفس أملاً لا ينقطع، وتؤكد أن باب العودة إلى الله يظل مفتوحًا ما دام فى الإنسان نفسٌ يتردد، فمهما كثرت العثرات، وتراكمت الأخطاء، يبقى الرجاء فى رحمة الله بابًا واسعًا لا يُغلق فى وجه من قصد الله صادقًا، وأقبل عليه بقلبٍ منيب.
أخى القارئ الكريم:
إن حُسن الظن بالله لا يعنى بحالٍ من الأحوال التواكل أو ترك العمل، ولا يُفهم منه التهاون فى أداء الواجبات أو التقصير فى حقوق الله والناس، بل هو يقينٌ يبعث على مزيدٍ من السعى، وثقةٌ تدفع إلى الإقبال على الطاعة بصدقٍ وإخلاص، فالمؤمن يحسن الظن بربه لأنه يعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن فضله أعظم من أعمال العباد، وأن رحمته تسبق غضبه. وقد جاء فى الحديث القدسى قوله سبحانه: «أنا عند ظن عبدى بى» (رواه البخارى ومسلم)، وهو توجيهٌ نبوىٌ عظيم يفتح أمام القلوب آفاق الرجاء، ويؤكد أن علاقة العبد بربه تقوم على الثقة والرجاء بقدر ما تقوم على الطاعة والانقياد، ومن ثمرات حُسن الظن بالله أنه يغرس فى القلب سكينةً هادئة وراحة بال كبيرة، تجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة وتحمُّل شدائدها، فإذا ضاقت به السبل تذكَّر أن لله تدبيرًا خفيًّا قد لا تدركه الأبصار، وإذا اشتدت عليه المحن أيقن أن وراء البلاء حكمةً ورحمة، وإذا تأخر عنه ما يرجوه علم أن الله يختار له ما هو أصلح وأبقى، وهكذا يتحول حُسن الظن بالله إلى نورٍ يهدى صاحبه فى ظلمات القلق والحيرة، ويمنحه قدرةً روحية على الصبر والثبات، ولقد تجلَّت هذه المعانى بوضوحٍ فى سير الأنبياء والصالحين، الذين واجهوا الابتلاءات بثقةٍ راسخة بوعد الله، فهذا نبى الله يعقوب عليه السلام، وقد اشتد عليه البلاء وطال فراق أبنائه، لم يفقد يقينه برحمة الله، بل قال فى يقينٍ عميق: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: 83)، فكان حسن ظنه بربه مفتاح الفرج بعد طول البلاء، وكذلك يقرر القرآن الكريم قاعدةً جامعة فى هذا الباب بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3)، أى كافيه وناصره، وفى ذلك توجيهٌ ربانى يغرس فى القلوب يقين الاعتماد على الله والاطمئنان إلى تدبيره، فالحياة لا تخلو من المحن والتقلبات، غير أن المؤمن الذى يملأ قلبه بحُسن الظن بالله يعيش مطمئنًا مهما تبدلت الظروف؛ لأنه يدرك أن وراء كل قدرٍ حكمة، وأن مع العسر يسرًا، وأن الله أرحم بعباده من أنفسهم، ومن هنا يصبح حُسن الظن بالله طاقةً روحيةً عظيمة تمنح الإنسان الأمل، وتدفعه إلى العمل، وتعينه على السير فى الحياة بقلبٍ مطمئن ونفسٍ راضية، ومن ثمَّ فإن حُسن الظن بالله ليس مجرد خُلُقٍ عارض، بل أساسٌ أصيل فى بناء الشخصية المؤمنة المتوازنة، التى تجمع بين الثقة بالله وبذل الأسباب، وبين الرجاء فى رحمته والخشية من التقصير فى حقه. فإذا استقر هذا المعنى فى القلب عاش الإنسان حياةً أكثر صفاءً واتزانًا، وأيقن أن الله لا يخيِّب من أحسن به الظن، ولا يردُّ من قصده صادقًا، وأن الرجاء فى فضله طريقٌ لا يقود إلا إلى الخير.. وللحديث بقية.