أحمد المالكى

وداع رمضان

الإثنين، 16 مارس 2026 02:25 م


تمرّ الأيام سريعًا، وكأن الأمس فقط كان الناس يتباشرون بقدوم شهر رمضان، يتهيأون له بالنيات الصادقة والقلوب المتعطشة للرحمة والمغفرة.

ثم إذا بنا نقف الآن على أعتابه الأخيرة، نودّعه وقلوبنا بين مشاعر متعددة: فرحٍ بما وفقنا الله إليه، وحزنٍ على انقضاء أيام كانت من أعظم أيام العمر.

رمضان ليس شهرًا عابرًا في حياة المؤمن، بل هو محطة إيمانية كبرى يعيد فيها الإنسان ترتيب علاقته بربه.
فيه تتجدد التوبة، وتُغسل القلوب من أدرانها، وتسمو الأرواح بالقرآن والصلاة والقيام والصدقات.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
فالمقصد الأعظم من رمضان هو بناء التقوى في القلب؛ تلك الرقابة الداخلية التي تجعل العبد يستقيم في السر قبل العلن.

وفي وداع رمضان يقف العاقل مع نفسه وقفة محاسبة: ماذا ربحت في هذا الشهر؟ هل تغيّر قلبي؟ هل اقتربت من القرآن؟ هل صلحت علاقتي بربي؟ هذه الأسئلة ليست للتأنيب بقدر ما هي دعوة صادقة للاستمرار؛ فرب رمضان هو رب سائر الشهور.

ومن أعظم علامات قبول الطاعة أن يتبعها العبد بطاعة أخرى، فليس المطلوب أن يكون رمضان موسمًا مؤقتًا للخير، ثم تعود الحياة بعده إلى ما كانت عليه، بل المقصود أن يكون رمضان بداية تحول حقيقي في حياة الإنسان؛ في صلاته، وأخلاقه، ولسانه، وتعاملاته.

ولذلك كان السلف الصالح يخافون بعد رمضان أكثر مما كانوا يجتهدون فيه؛ لأن همّهم لم يكن العمل فقط، بل قبول العمل.
كانوا يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يسألونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم ما عملوا فيه.

إن وداع رمضان ليس نهاية الطريق، بل هو بداية اختبار الصدق، فمن كان صادقًا مع الله في رمضان، فسيبقى أثر رمضان ظاهرًا عليه بعده: في محافظته على الصلاة، ودوامه على القرآن، وحرصه على الخير.

فلنودّع رمضان بقلوبٍ راجية، وألسنةٍ ضارعة، ودعاءٍ صادق:
اللهم تقبّل منا صيامنا وقيامنا، واغفر لنا تقصيرنا، واجعل ما قدمناه خالصًا لوجهك الكريم، ولا تجعل هذا آخر عهدنا برمضان، وأعده علينا أعوامًا عديدة ونحن في طاعة وعافية.

فما أسرع مرور الأيام، وما أقصر العمر، والسعيد من اغتنم مواسم الطاعة قبل أن يقال: كان هنا إنسان، ثم مضى.

د/ أحمد المالكي




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة