قياتى عاشور

فخ المظاهر.. حين يتحول العيد من فرحة إلى عبء!

الإثنين، 16 مارس 2026 03:32 م


أيام قليلة ونودع شهر رمضان المبارك، لنستقبل عيد الفطر الذي ارتبط في وجداننا الجمعي كمصريين بمفاهيم "الفرحة" والمكافأة بعد شهر من الصيام والعبادة.

ولكن، إذا توقفنا قليلاً ورصدنا حركة الشارع ومزاج الأسرة المصرية في هذه الأيام التي تسبق العيد، سنجد مفارقة سوسيولوجية تستدعي الانتباه؛ فبدلاً من أن تسود حالة من السكينة والبهجة، تسيطر على الكثير من البيوت حالة من "القلق والضغط النفسي" بسبب الاستعدادات المادية للعيد، بدءاً من شراء الملابس بأسعار مبالغ فيها، وصولاً إلى تجهيز كميات هائلة من الكعك والحلوى.

من منظور علم الاجتماع، نحن نقف أمام ظاهرة تُعرف بـ "الاستهلاك التفاخري" وهو المفهوم الذي صاغه عالم الاجتماع الشهير "ثورستين فيبلن" لوصف السلوك الذي يهدف من خلاله الأفراد إلى شراء سلع وخدمات لا لتلبية احتياج فعلي، بل لاكتساب أو الحفاظ على "وجاهة اجتماعية" أمام الآخرين. لقد تحولت طقوس العيد من ممارسات اجتماعية بسيطة تهدف لصلة الرحم وإدخال السرور، إلى "سباق مكانة" مرهق؛ حيث تجد الأسر، وخاصة في الطبقة الوسطى، نفسها مجبرة على مجاراة نمط استهلاكي معين خوفاً من نظرة المجتمع، أو للهروب من فخ "المقارنات الاجتماعية" القاسية.

تتعمق الأزمة أكثر مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، التي خلقت ما يمكن تسميته بـ "الامتثال الاستهلاكي." فالصور التي تُبث يومياً للملابس الفارهة، وتجهيزات العيد المبالغ فيها، ترفع من سقف التوقعات لدى الأطفال والشباب، وتضع الآباء تحت مقصلة الضغط المادي والنفسي لتلبية هذه التوقعات الزائفة. المشكلة هنا ليست فقط في وجود تحديات اقتصادية أو موجات تضخم عالمية تلقي بظلالها على الجميع، بل في أننا – كمجتمع – نُضاعف من وطأة هذه الظروف القاسية حينما نستسلم لـ "ديكتاتورية المظاهر"، ونصر على ممارسة طقوس استهلاكية تفوق قدراتنا الحقيقية.

إننا بحاجة ماسة إلى وقفة مع النفس، وإلى "تحرير الفرحة" من قيود المادة. العيد في جوهره هو فرصة للتقارب، لصلة الأرحام التي تآكلت في زحام الحياة، لتصفية النفوس، ولصناعة ذكريات دافئة مع الأبناء لا تعتمد بالضرورة على الإنفاق المفرط. الفرحة الحقيقية لا تُقاس بماركة الملابس الجديدة، ولا بكمية ونوعية الحلوى المكدسة على الطاولات، بل تُقاس بجودة اللحظات التي نقضيها مع من نحب، وبحالة الرضا والسلام الداخلي التي تسكن بيوتنا.

يجب على الأسرة المصرية اليوم أن تمارس دورها بوعي في إعادة تعريف "البهجة" للأجيال الجديدة. علينا أن نعلم أبناءنا أن قيمتهم لا تُستمد مما يرتدونه أو يستهلكونه، وأن السعادة تكمن في البساطة والرضا. دعونا نتخفف من أعباء صنعناها بأيدينا، ونرفض الخضوع لابتزاز "المظاهر" الذي يرهق جيوبنا ويغتال فرحتنا. لنجعل من هذا العيد بداية لعودة "البساطة الجميلة" التي كانت تملأ بيوتنا بالبركة والستر، فالعيد لمن طابت نفسه، لا لمن أرهقته ديون المظاهر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة