عصام محمد عبد القادر

رمضان.. السابع والعشرين

الإثنين، 16 مارس 2026 02:44 ص


في ليلة السابع والعشرين، يكتسي الكون بهالة من السكينة المهيبة، وتكاد الأنفاس تتوقف إجلالاً للحظة تنزل فيها الملائكة والروح؛ فتختلط أصوات الدعاء بصمت الخشوع، وتشرئب الأعناق نحو السماء، ليس بحثاً عن هلال يغيب، بل عن نور يضيء قلب عبد انقطع رجاؤه إلا منه، إنها لحظة فاصلة، يدرك فيها المؤمن أن العمر قد يُختصر في ساعات، وأن الفوز العظيم ليس لمن بدأ السباق؛ لكن لمن ثبت على عهد الإيمان حتى الرمق الأخير.
ليلة القدر ليست مجرد لحظة تمر في تقويم الأيام؛ إنها هبة من الله لأمة قصيرة الأعمار، الليلة التي تفوق في قيمتها ما يربو على ثمانين عاماً من الطاعة، وكأنها دعوة لاقتناء جنة عرضها السماوات والأرض بسجدة صادقة أو دمعة تائب، وفيها تتلاشى حسابات البشر الضيقة، أمام فيض الكرم الإلهي، ويصبح الترقب واجبًا، والمحروم حقًا هو من غفل عن هذه الكنوز، ظانًّا أن الأيام لا تزال في يده، بينما الليل نفسه يهمس بالرحمة، والقلب المفتوح يكتشف عظمة الله تعالى في كل نفَس وكل خفقة.
تأمل في جياد الخيل؛ كيف تستجمع بأسها في أمتار السباق الأخيرة صونًا لجهدها من الضياع، فما بال نفوسنا تسترخي والجوائز قاب قوسين أو أدنى، إن ليلة السابع والعشرين هي نداء الاستنفار الأعلى؛ فإما همة تعانق الثريا وتلح على أبواب السماء، وإما فتور يختطف منك حصاد الشهر كله، فلا تلتفت لمن وهنت عزيمته من حولك، بل وجّه قلبك نحو عرش الرحمن، وقل لنفسك بيقين: ليلة واحدة قد تصنع القدر الجميل، ومن ثم اجعل شعارك الصادق: لن يسبقني إلى الله أحد، فكل نبضة قلب وكل نفَس يحمل دعاء يرتقي بك إلى واحة الطمأنينة.
المثابرةُ محراب الصادقين، الذين أدمنوا الوقوف بأعتاب الملك القهار؛ فلا يملّون ولا يبرحون حتى يأتيهم اليقين، والوقوف في ليلة السابع والعشرين هو وقوف من أيقن أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وهذا طريق من لا يعرف اليأس، فربما كانت إجابتك معلقة بركعة في غسق الليل أو باستغفار يخرج من أعماق قلب منفطر؛ فكن كالحلقة بباب الله تعالى، لا تتركها حتى يُفتح لك، فكرمه أوسع من بحر ذنوبك، وبابه لا يُوصَد في وجه من استقام على المحاولة.
مع دُنوّ رحيل رمضان، ينسلّ من الشغاف شعور شجيّ يشبه لوعة الفراق؛ لكنه حزن يستحيل وقودًا للاستمرار؛ فليلة السابع والعشرين هي مسك الختام الذي يضمّد جراح المقصرين، ويجبر كسر المخبتين، وبينما يغلبنا البكاء على فِراق الشهر، لزام علينا أن نبتسم لرب الشهر الذي لا يغيب، ونجعل من دموع الوداع ميثاقًا جديدًا على الاستقامة؛ فالمحب الصادق لا يودع رمضان ليعود إلى قديم عهده، بل يتخذ منه زادًا يقتات عليه طوال مسيره، حتى يلقى ربه وهو عنه راضٍ.
المغزى الأسمى من ليلة السابع والعشرين لا يكمن في انقضاء ساعاتها، بل في ولادة الإنسان الجديد الذي صقلته محاريب القيام؛ فأتخذ من ليلة القدر حجر الأساس لبناء لا يُهدم، فإذا انقضت الليالي العشر؛ فإن رب الليالي باقٍ، والباب الذي فُتح لك في رمضان لا يُوصَد إلا بيدك؛ فثابر على أعتاب الطاعة، واجعل من روحانية القدر منهجًا يصبغ سائر أيامك؛ لتكون ليلتك حجة لك لا عليك.
اللهم يا من وسع كرمه مدارك البشر، وتنزلت ملائكته بالسكينة في غسق السحر، اجعل ليلتنا هذه ميلادًا جديدًا لأرواحنا، وصقلًا لنفوسنا، واكتبنا فيها من السابقين الذين لم تفتُر عزائمهم، اللهم يا رب الشهر وباقي الدهر، ارزقنا همة تعلو السحاب في الطلب، وإلحاحًا لا يعرف اليأس على أعتاب الأدب، واجعل دمعة التائب فينا سجدة تشتري جنة عرضها السماوات والأرض، ربنا إن عجزت أبداننا عن كمال الطاعة فلا تعجز قلوبنا عن كمال الرجاء، فاعفُ عنا عفوًا يمحو التقصير، واجبر كسرنا جبرًا يليق بملكك الواسع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة