إذا ما كانت ميول الإنسان قوية، وهى التى تسيطر على عقله وقلبه، انحرفت به وألبست فى عيونه الباطل لباس الحق، وصعب على نفسه، وعلى غيره، إقناعه بأن ما يفعل إنما هو خطأ وذنب، أما إذا كان فكره، هو الذى يسوقه، فإن رؤيته للباطل، تتوقف على معرفته ليبتعد عنه، وينتهى أيضا عن مصاحبته، فالفرق هنا واضح بين إنسان تتحكم فيه الأهواء والأغراض، ويميل معها، وينجرف تحت تيارها، عندئذ تكون عودتة للحق صعبة، ويكتفى الإنسان بأن يؤنب نفسه على ذنب أرتكبه فى السر، كأنه بذلك كَفَّر عن ذنبه، فإذا عاد نظيف من الذنب، أعاد الكرة مرة أخرى، وأعاد التأنيب، ويظل يدور فى دائرته، ما بقيت حياته، إلى أن يموت وفى اعتقاده، إنه طاهر من كل لطخة يوصم بها.
لك أن تلعن الجهل والأعراف الفاسدة، وعدم الوعي، لأن المرأة التى لا تنجب فى مجتمعاتنا، هى امرأة معطلة، لا فائدة منها، كالآلة التى أصابها العطب، كأن الأمر من صُنعها، فهو ضربة صائبة فى أنوثتها، تتناولها الألسنة، وتحتقرها النفوس، وتزدريها العيون، فيكون نصيبها من العيش، أن تحيا فى عيون الناس ناقصة، تدوسها سفاهتهم، ولا حق لها، أن تثور أو تصرخ فى وجوههم، وتُعلن أن لا ذنب لها، فلماذا تؤخذ بذنب؟ وإن كان ذنب، ليست لها يد فيه.
كل ما فى الأمر، أنها تريد أن تحيا حياة طبيعية، كباقى الخلق، يدفعها الألم النفسي، وشعور الحطة، الذى وصمها الناس به، إلى أن تفعل ما تأباه المروءة، إنها ضحية، مسخت روحها بيئة لا ترحم، وألسنة حداد، لا تكف عن ذكر المساوئ، وتلصقها فى الناس بالحق وبالباطل، فالحياة حرمتها الأمومة، التى لا عزاء للمرأة فى شيء بعدها، تحارب المرأة عمرها كله، لتُجنب لتُثبيت لنفسها والآخرين مدى جدواها، تنفق الغالى والنفيس، تطرق أبواب الأطباء والمستشفيات على أمل، أن يتحقق حلمها، فى أن تصبح أم، فإذا ما يأست من أمر الأطباء والشفاء، طرقت أبواب الشيوخ والدجالين والمشعوذين، وهجمت على رأسها، أفكار وخواطر مريبة، ولكن الزمن يمر، وقد تلجأ إلى ما لا يخطر على بال، فيتفتق ذهنها بأفكار شيطانية، فإما تتجرأ وتفعل، أو تخشى وتجبُن فتيأس وترضى بالأمر الواقع، فمسألة الشر قد تكون مقادير أو هو مرتبط بموقف ما، فليس له أساس فى نفس المرء، فيذهب بذهابه.. فيجب علينا نحن المجتمع، أن نرأف بمن حُرِمت الأمومة، ولا نُعَيّرها بشيء لا تملكه، وألا نُنْقص من قدرها.. فالجماعة عليه وزر أيضا، فيما ارتكبت..
فالتمثيل الجيد يترك أثرا قويا فى النفوس، وفى القلوب، ويعطيك المتعة، والفائدة من خلال ما يطرح من قضايا يعالجها، بعرضها وإعطاء الحل، ينقل لك سلبيات يعانى منها المجتمع، ويقدم العلاج بطريقة جذابة من خلال المشاهدة، لذلك هو سلاح ذو حدين، فى طرح القضايا الإنسانية، والواقع إنه من الممكن أن يساعد على الهدم أو يساهم فى البناء، من خلال مراعاة الطرق والوسائل، التى بها تنجح فى المعالجة، ويكون الأثر إيجابى فى النفور من السلبيات والإقبال على الحلول الصحيحة، وإما أن يُزين السلبيات، ويجعل المشاهد يتعاطف مع الباطل، ويتخذ منه طابع يجسده، لينال ما نال البطل من حب وهو يُسيء، فهذا هو الخطر الذى ينبغى أن يراعيه صاحب العمل، حتى لا يعطى نتيجة عكسية، فهى شبيه بالسم فى العسل، تعطى المتعة والضرر.
فتصوير الشر فى زى محبب، قد يغرى ضعاف النفوس بسلوك طريقه وتقليده، إن الإنسان يحمل بين ضلوعه قوتين متناقضتين، قوة الخير، وما تحمله من مشاعر العطف والرحمة، وقوة الشر، وما تحمله من كراهية وضغينة، لحظات فارقة بين إظهار القوتين، إن عين نرجس التى تلمع بالحب، ثم هى هى من تنذر بالويل والتدمير، فالشعوران يصلان إلى أعماق نفسك، لترتبك بينهما، هل تتعاطف معها؟ أم تتمنى أن ينالها عقاب شديد؟ وكلا الشعورين ينفذان إليك دون أن تسمع كلمة رقيقة، أو سب وتهديد، إنما هى فقط النظرة، دون أن يلفظ اللسان بكلمة واحدة.
إنها نظرة تحمل من التحذير والإنذار، ما يردع، ثم هى أيضا تلك العين التى تنظر لأبنائها وزوجها، نظرة العطف والمحبة، التى تُبثها فى أوصالهم حنانا جارفا. هل نحبها نحن أيضا؟ أم نخاف منها؟ وتأخذك الحيرة وتتساءل، هل يغذى الإنسان قلبه بالرحمة، من خلال إحراق قلوب الأخرين، يحمل الإنسان بين صدره قلبين متناقضين، يتحول بينهما ساعة وساعة، هل نشفق عليها أم نلعنه، نعطف أم نصرخ فى وجه، عاشت الشخصية الأساسية تمثل فى واقعها، وأتقنت دورها، دور الأم التى حملت وأنجبت وربت، فليس هناك قوة فى العالم تستطيع أن تُزحزحها عن تلك العقيدة، التى اعتنقتها، إنها أم وأنها تبذل كل ما تستيطع فى سبيل أبنائها، وريهام "نرجس" فى حلقاتها أتقنت دورها وأستغرقتها أمومتها، فالأداء الجيد كان له أثر كبير فى وصول الفكرة بسلاسة، فهى أتقنت تلك الصورة التى تحمل المتناقضات، نقلتها بدقة وأداء جميل جيد فى تحريك المشاعر، وانعكاسها على الخاطر، وملامح الوجه وعلى المشاهد نفسه، وهو يترقب ويتعايش، فى رفعة النفس ودناءتها، رُقيها وخستها، إنها تشطر سريرة المشاهد شطرين، بين الحب والتعاطف، وبين البغض والكراهية، ويظل المشاهد يتأرجح بين العاطفتين، حتى تمزق مشاعره، وتستمع لصوتين يصرخان فى نفسك بين الشفقة والإنتقام، إنها امتزجت بالشخصية، مما يجعلك تقف مذهول، هى هى الممثلة التى تؤدى دورها أم أنها هى بالفعل هذ الشخصية، بما تحمل من مشاعر وعواطف استغراقتها تماما، كنت أتمنى لو أنفردت بنفسها تناجيها فى بعض المشاهد، وتعترف ثم تقدم المعاذير لأفعالها، لأن القلب الذى يعرف وجيب الحب والرحمة، يجب أن يقف أمام القسوة، التى ربما يرتكبها، حتى ولو كان من باب التبرير، لأن له قلب وضمير، فلو لم يخدره ببعض العزاء، لأرّق عليه حياته، وطاردته الكوابيس تفزعه، وتقلق مضجعه، وتنتهبه وتأكل من روحه وجسده، وتميت قلبه.
فشكراً للعمل الجيدة، والدراما الممتعة، ولطاقم العمل المميز، وعلى رأسهم "نظرة نرجس عبدالغفور".