حازم حسين

الأشقاء قبل إغاظة الأعداء

الإثنين، 16 مارس 2026 02:00 م


إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا؛ يقول المتنبى فى واحدة من حكمه اللامعة، ويُكمل: «ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا مُضرّ كوضع السيف فى موضع الندى».

ومضرب المثل فى إتيان الشىء من غير بابه، أو باختيار وسيلة لا تتناسب مع الغاية المطلوبة؛ كأن تشد فيما يستدعى اللين، أو العكس.
وأشد ما تصدق فيه الفكرة أنْ تُبدّل القلب بالعقل، وتُوَظِّف كُلًّا منهما فى غير ما خُلِق له من الأصل.

التفكير بالعاطفة يأخذ صاحبه لمهاوى الضلال، وأيسرها الاختزال والتبسيط، وأسوأها الرغائبية والتمنّى على خلاف ما تُبديه الوقائع وتتطلّبه ضرورات أَخذِها بحقّها.

ومن أسفٍ؛ أن كثيرين فى منطقتنا المسحوبة من مشاعرها الجياشة، يضعون القلوب قهرا فى مواضع العقول.
قبل ثمانية عقود أو يزيد، كانت مصر رازحة فى أغلال الاحتلال.

اندلعت الحرب العالمية الثانية، واتسع أوارها، وظن بعض الحالمين بالاستقلال، أنه لا بديل عن الاستجارة من الرمضاء بالنار، وأن الألمان قد يمدون يد العون ويفتحون طريق الخلاص من الإنجليز.

يطول الكلام فى التفاصيل، ومن اتصلوا بالغزاة الجدد لإطاحة القدامى، أو قدموا أنفسهم ليكونوا بديلا عن طبقة الحكم فى عهد الاستبدال الكبير.
ووصل الأمر إلى ترويج ضلالات تثير الأسى لا الضحك، كأن يُقال إن هتلر أعلن اسلامه وبدّل اسمه، وتلك لعبة سبقه إليها الشيخ الكبير بونابرت إبان الحملة الفرنسية.

فى المسخرة النازية، سُحِبَت فلسطين سريعا إلى أتون اللعبة. التقى مفتى القدس أمين الحسينى بالفوهرر، وتوسط لجمعه مع مرشد الإخوان حسن البنا.
وبدا أن الصراع مع الحركة الصهيونية، يُوَظّف لصالح تيّارات أصولية، تغوص بالغباء أو الاستخفاف فى مستنقع محتل جديد.
شىء من القبيل نفسه يحدث الآن، وظل مجالا للتجارة واستنزاف الموارد والمقدرات لنصف القرن على الأقل، وعنوانه: ثارات الفُرس مع العرب، تحت عمامة الثورة الإسلامية.

حاربت الهضبة وحُورِبَت، ولها إرث مع الجوار القريب والبعيد، منذ الإخمينيين وما قبلهم، مرورا بالساسانيين، وإلى الحُكم الصفوىّ الذى حوّلها مذهبيًّا؛ لأهداف عرقية وسياسية.

نُسِجَت المأساة الفلسطينية تحت بصر السلطنة العثمانية، وكانت الدولة التى ورثتها فى طليعة المعترفين بالدولة العبرية، وكذلك فعلت جارتها إيران.
رفع الملالى شعار تصدير الثورة، ولا أسواق صالحة أقرب من بلاد المسلمين/ العرب. لهذا حاربت العراق قبل الصهاينة، وخرّبت أربع عواصم عربية، وما رقصت مع تل أبيب إلا مُجبَرَة.

انزلقت إلى الفخ من بوابة غزّة؛ بعدما أغرت حماس بلوثتها الانتحارية فى الطوفان. ورّطت حزب الله وجرّت النار على لبنان، وشَرحه فى اليمن، واستُدرجِت بنفسها من أرض الشام.

تُحاسب الجمهورية الإسلامية على خطاياها منذ الثورة، وتأبى إلا أن تُدَفِّع الآخرين أعباء ما جنته على نفسها وعليهم؛ لذا طيّرت صواريخها فى سماوات الخليج، بأضعاف ما أرسلته إلى فلسطين المُحتلّة.

تاجرت بالقضية، وما تزال تتدثّر بعباءتها. والحال؛ أنها أضرّتها بالتديين وتعزيز الفُرقة والانقسام، وباختراق المجال العربى، وإضعاف تركيبته الأمنية وتماسك بلدانه الكُبرى. ألمانيا مُعمَمّة تتلمّظ على العالم، ولا تعده بأفضل ممّا رآه مع الحلفاء.

تقتضى الاستقامة أن ندين العدوان عليها قطعا، ولا وجه للبحث عن مبررات للأمريكيين والإسرائيليين؛ غير أن تمام العدل والاعتدال أن تُدان طهران بالتوازى، لقاء تعدّيها على محيطها العربى دون حق أو ضرورة.

ما كان العراق يُشكّل خطرًا عليها عندما استباحته، ولا اتصل لبنان بغلافها الحيوى، أو احتضن اليمن وسوريا قواعد عسكرية للشيطان الأكبر.
فعلت الدولة الشيعية ما فعلته؛ لأنها طامعة فى التمدد، وساعية إلى استعادة ذاكرتها الإمبراطورية تحت عمامة سوداء.

والسوابق أكثر من الحضر؛ إن كان فى تأليب البيئة البحرينية، أو احتلال جُزر الإمارات، والأحواز، أو توظيف المشاعر المقدسة فى الابتزاز السياسى، كما جرى مرّات ومرّات فى مواسم الحج.

لم تكن إيران عائقًا أمام إسرائيل قطّ؛ بل وفّرت لها الذرائع على أحسن ما تتمنّى، ومكّنتها من دول، وتكفّلت بإضعاف غيرها بدلا منها.
التضامن مع العائلة العربية ليس خيارا، ولا تحت طائلة الأخوّة فحسب؛ إنما يتّصل بالأمن ومصالح الإقليم، ويتعيّن أن يكون مُقدّمة للبحث فى ثغرات الماضى وسدّها.

يجب ألا نظل مُخيّرين بين السيئ والأسوأ. نحتاج لرؤية واحدة، واقتراح خياراتنا الخاصة، وبناء منظومة أمنية واحدة.
مع العرب أوّلاً وأخيرا، وعلى طول الخط، ولست مع الألمان نكاية فى الإنجليز.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة