إدوار الخراط.. ماذا بقى من مشروعه الروائى بعد 100 عام على ميلاده؟

الإثنين، 16 مارس 2026 04:00 م
إدوار الخراط.. ماذا بقى من مشروعه الروائى بعد 100 عام على ميلاده؟ إدوار الخراط

أحمد إبراهيم الشريف

فى مئوية الكاتب الكبير إدوار الخراط، الذى ولد فى الإسكندرية يوم 16 مارس 1926،  نتذكر أنه كان مبدعا صاحب مشروع،  وبالتالي من حقنا أن نسأل ماذا بقى من هذه التجربة التى بدت، منذ ظهورها، مختلفة فى لغتها، وفى تصورها للرواية، وفى قدرتها على أن تجعل الكتابة نفسها موضوعًا من موضوعات السرد؟

إدوار الخراط من المبدعين الذين صنعوا مجدهم من اقتراح جمالى شديد الخصوصية، ظل لعقود علامة على حداثة الرواية المصرية والعربية، وليس من المصادفة أن تعود مئويته هذا العام إلى الواجهة مع جائزة تحمل اسمه، ومع حديث متجدد عن "استمرار ريادة مشروع الحداثة الأدبية" الذى أسسه، بحسب ما قيل فى الجلسة الختامية لتوزيع جوائز إدوار الخراط للإبداع الأدبى فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026.

الذى بقى من مشروع الخراط، أولًا، هو فكرة الرواية بوصفها مغامرة شكلية ومعرفية فى آن واحد، فقد كتب الخراط فى زمن كانت فيه الرواية العربية قد رسخت تقاليدها الكبرى، لكنه لم يكتف بالدخول إلى هذا التقليد، بل سعى إلى زحزحته من الداخل، ومن هنا بدت "رامة والتنين" لحظة فارقة فى القراءة النقدية لأعماله، عملًا لا يراهن على الحكاية وحدها، بل على كثافة اللغة، وعلى تداخل الأزمنة، وعلى كسر الخط المستقيم للسرد. وقد وصفت قراءات نقدية كثيرة هذه الرواية بأنها منعطف فى السرد العربى الحديث، لأنها وسعت مفهوم الرواية نفسه، وجعلتها أكثر التصاقًا بالوعى والذاكرة والأسطورة والداخل الإنساني، ولهذا فإن بقاء الخراط لا يقاس فقط بعدد من قرؤوه، بل بقدر ما أتاحه من شرعية جمالية لكتابة روائية لا تخضع للقالب التقليدي.

والذى بقي، ثانيًا، هو تصوره للغة باعتبارها جوهر التجربة الروائية لا مجرد أداتها، فالخراط لم يكتب لغة شفافة تمرر الحدث ثم تنسحب، بل كتب لغة لها حضورها المستقل، وتكاد تكون كائنًا سرديًّا قائمًا بذاته، هذه السمة جعلت كتابته تبدو صعبة أحيانًا على القارئ الذى يطلب الرواية باعتبارها تسلسلًا للأحداث، لكنها فى المقابل منحت نصوصه بقاءً خاصًا، لأن اللغة هنا ليست وسيلة نقل، بل منطقة اكتشاف، ومن ثم فإن ما بقى من مشروعه ليس فقط بعض العناوين المؤسسة، بل درس كامل فى أن الرواية يمكن أن تُبنى من الإيقاع، والاستعارة، والتداعي، ومن الحفر فى طبقات الشعور، مثلما تُبنى من الشخصيات والأحداث. وهذا أحد الأسباب التى جعلت اسمه يظل حاضرًا فى النقاش حول الحداثة السردية، لا بوصفه اسمًا من الماضي، بل بوصفه مرجعًا لا يزال صالحًا لإعادة القراءة.

أما الذى بقي، ثالثًا، فهو فكرته عن الرواية، ففى عالم إدوار الخراط لا تحضر الذات بوصفها جوهرًا بسيطًا، بل بوصفها تكوينًا متعدد الطبقات: مصريًّا، وإسكندرانيًّا، وقبطيًّا، ومتوسطيًّا، وإنسانيًّا فى الوقت نفسه، هذه الحساسية المركبة هى التى منحت نصوصه ثراءها الخاص، وجعلت الإسكندرية عنده أكثر من مكان؛ صارت بنية شعورية وثقافية وروحية، تتجاور فيها الأزمنة والطبقات والرموز، ولهذا بقى أثره فى الكتابة التى تنظر إلى المدينة باعتبارها ذاكرة ومصيرًا، لا مجرد خلفية للأحداث، وحين يقال اليوم إن تجربة الخراط تقوم على "قراءة الواقع الإنسانى بين الوعى واللاوعي، وبين الوصف الدقيق لما هو مرئى وما يكمن خلفه من أبعاد ودلالات"، فإن هذا الوصف لا يقدم مجاملة تذكارية، بل يلتقط واحدًا من أهم مفاتيح مشروعه السردي.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضى القول إن ما بقى من مشروعه ليس حضورًا جماهيريًّا واسعًا بالمعنى الشائع، بل حضور نوعى وعميق. فإدوار الخراط من الكتاب الذين انتصر لهم الزمن النقدى أكثر مما انتصرت لهم السوق الثقافية. وربما لهذا السبب ظل اسمه يتجدد كلما عاد النقاش إلى أسئلة الفن الخالص، وإلى علاقة الرواية باللغة، وإلى شرعية التجريب فى السرد العربي. 

لذلك يمكن القول إن الذى بقى من مشروع إدوار الخراط بعد مئة عام على ميلاده هو ما هو أبعد من عنوان أو رواية بعينها، بقيت جرأة الشكل، وكثافة اللغة، والحفر فى الذاكرة والهوية والمدينة والأسطورة، وبقيت قبل ذلك كله شرعية أن تكون الرواية فنًّا للمغامرة لا مجرد وعاء للحكايات. وربما لهذا لا تبدو مئويته مناسبة للحنين وحده، بل مناسبة لإعادة النظر فى ما خسرته الرواية العربية أحيانًا حين انحازت إلى السهولة، وما يمكن أن تستعيده حين تعود إلى درس الخراط: أن الكتابة ليست تكرارًا للعالم، بل خلقٌ جديد له. فى هذا المعنى، لم يبقَ إدوار الخراط لأنه واحد من كبار الروائيين المصريين فحسب، بل لأنه ترك مشروعًا ما زال قادرًا على أن يحرج السائد، ويوقظ الأسئلة، ويذكّرنا بأن الأدب الحقيقى لا يشيخ بالسنوات، بل يتجدد كلما وجد قارئًا مستعدًا للذهاب معه إلى أبعد مما تقوله الحكاية على سطحها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة