حازم حسين

غائب ينوب عن غائب

الأحد، 15 مارس 2026 02:00 م


يعيش الشيعة على ذكرى المهدى، وعلى وعد عودته. ومن السفراء فى الغيبة الصغرى، إلى النائب فى الكبرى، تطورت الإمامة سياسيًّا فى عباءة دينية.
سدّت ولاية الفقيه ثغرة فى الفكرة؛ غير أنها عرّضتها لمفارقة تتجلّى بقسوة فى أوقات الأزمات، عندما ينوب الغياب فيها عن الغياب.
حل مُجتبى بديلاً عن والده. أسبوع تبدّل فيه وجهان يحملان الاسم نفسه؛ فقُتل الأول يوم سبت، ونُصّب الثانى فى أحد الأسبوع التالى، وانتظر لآخره قبل أن يُغازل بيئته بكلمة صامتة.

مُلِئ الفراغ بأسرع مِمّا كان متوقعا، فى الظاهر؛ إلا أن إطار الصورة ما يزال فارغًا، ولا يُعرَف على أى وجهٍ يمتلئ، ولا فى أى أوان!
رُوِى الكثير عن المُرشد الجديد؛ أهمه أنه كان يحكم بالفعل من الصفوف الخلفية، ولديه ثِقَل مادى ومعنوى فى أروقة السلطة كلها؛ لا سيما جناحها الأمنى المُتسلّط على الجميع.

يخرج الرجل من الظل إلى الظل، وثمّة احتمالات وراء الغياب: موت تُقاربه بعض التحليلات الخفيفة، وفداحة الإصابة بما يمس وهج المعصوم، أو اتساع الخرق واستفحال الشك من الكل فى الكل.

تعيش إيران مأزقا حقيقيا، وقد فُرِضَت عليها الحرب، ويبدو أنها لم تستعد لها رغم سابقة التجربة. وإذا كان العدوان غراءً فى ذاته؛ فأكثر ما يشد العصب أن تكون رمزية القيادة فى قلب المشهد.

ويصح العكس أيضًا، بمعنى أن للقتال أشراطه الضاغطة، وأوّلها تأمين المستويات العُليا، لضمان الاستدامة وتماسك الحلقات الأدنى؛ غير أن الجمهورية الإسلامية اختارت العكس.

وتبدّى الاختيار فى نزول أرفع قادتها للشوارع، بالتزامن مع «يوم القدس» فى الجمعة الأخيرة من رمضان. ظهر على لاريجانى، والرئيس بزشكيان، وأغلب الصف الأول من الساسة والجنرالات.

كان حريًّا بالمُرشد أن يُوجّه كلمته مرئية أو مسموعة، ويسهل إخفاء معالم المكان وتضييع البصمة الرقمية.
السرديّة مُعرّضة للتشكيك، والولاية منقوصة بالغياب؛ لا سيما أنه لم يُرَ حتى مِمّن انتخبوه غصبًا.
وأرجح الآراء، أن مجلس خبراء القيادة اتّخذ قراره بالتمرير، وصولا إلى اجتماع أخير، مشكوك فى انعقاده، للاتفاق على مجتبى خامنئى بإملاء من الحرس الثورى.

لا صورة حديثة للرجل، ولا مقطع فيديو، والمعلومات شحيحة. مُرشد أعلى لا يعرفه جمهوره، ولا قادة مجالسه المُعاونة، ولم يرَه أحد منذ اندلاع الحرب، ويُؤخَذ العلم بحياته تحت ظل البنادق.

فى زمن الحرب العراقية، تجرّع الخمينى كأس السم كى لا يتشظّى جسد الثورة الوليدة تحت القذائف.
اليوم يُرقّى أحد الصقور إلى مسند القيادة، ويُخفَى عن الأنظار؛ فلا يُعرَف هل تصله تحديثات حقيقية، وهل يتخذ قراره بتجرّد وعن معرفة، أم أنه واجهة اسمية لحفنة جنرالات مخابيل!

استُدرج ترامب، وحقّق نتنياهو ما كان يتمنّاه، وصارت المواجهة أزمة مُستفحلة بين واشنطن وتل أبيب، وقل ما شئت فوق ذلك؛ غير أن الواقع يميل للأسف لجهة المُعتدى.

مُقارنة بما كان فى حرب الاثنى عشر يوما، يونيو الماضى؛ فقد ارتفعت وتيرة الضربات وتقلّصت الردود، وتضاعف العبء على إيران، وتضاءل فى إسرائيل.
ذهبت طهران فى الخيار السيئ لآخره؛ عندما وجّهت أربعة أخماس قوّتها إلى الجوار الخليجى، رغبة فى توظيف ثِقَله الاقتصادى والمالى أداة ضغط على الأمريكيين؛ لرفع الكُلفة وتحجيم المواجهة.

خسرت التعاطف، وهامش الوساطة، ولم يُبدِ البيت الأبيض انفعالاً بالمُعضلة الأمنية. وبدا أنه يسير فى اتجاه؛ يتقصّد منه أصلاً أن يُورِّط العمائم مع مُحيطها القريب.

توترت المنطقة، وارتفعت أسعار النفط، ووقف العرب على أطراف أصابعهم، ومَن قال إن الغُزاة أرادوا سوى ذلك من الأساس؟!
كان مُجتبى مرفوضا فى الداخل، وبين أهل الحل والعقد؛ ثمّ تعزّزت فُرصه عندما رفضه ترامب، وحوّل اختياره إلى نافذة سهلة لإبداء الصمود والتحدّى.
إنها حرب الصهاينة. ثأر عن الطوفان، وترتيب للإقليم كى لا تتكرّر المُغامرة. مُسِحت غزة من الخرائط، ولبنان فى مواجهة الغزو البرّى ثانية، وسماء إيران مُستباحة، والحوثى يغرى الأعداء بمُضاعفة خسائر المنطقة.

المُمانعة متأخرة بخطوة؛ لذا فإنها ردّ فعل دومًا. تضع موانئ العرب فى مواجهة جزيرة «خرج»؛ غير أن ترامب يراها حسابا عن إغلاق هرمز.
وهكذا جرت الأمور فى فلسطين والشام واليمن: صفعة تقابلها عشر، وستجرى لحين التوصل لاتفاق قد يبدو تنازلا من الطرفين؛ غير أنه سيكون مُقدمة لوضع لن ينوب فيه غائبون عن غائبين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة