خالد دومة يكتب: صناعة الحضارة

الأحد، 15 مارس 2026 11:26 م
خالد دومة يكتب: صناعة الحضارة خالد دومة

دليل صحة الأمة التي تسعى ليكون لها حضارة، أو تشارك في صنعها، هو أن يكون لها نصيب وافر من التسامح مع من يختلفون معها في المشارب والأراء والأمزجة، إنها بذلك تبنى على أصول قوية، وقواعد متينة، فإن حُمِل الناس على إعتقاد واحد، ورأي واحد إنما هو الفقر والشح والموت البطيء، بل هو انهيار للجميع، انهيار للعقل والعاطفة والمشاعر، إنما هي تمثيل، تتلقى فلا شعور ولا حركة، وليس هناك أمة تسعى لفرض طريق واحد أو اعتقاد واحد إلا كان الشقاء والتخلف أركانها التي تتكأ عليه في مسيرتها، إنه حكم بالإعدام، ولكن ليس لفرد بل هو إعدام جماعي، فالإبداع لا يكون وهناك قيود على العقل، تفرض عليه نوع من التفكير لا تتخطاه، ولو حاول لكان مصيره هو النفور والعداوة والإتهام بالشذوذ والكفر، ولقى منهم تعنتا شديدا، فمن أين يأتي التجديد والابتكار، إذا كانت العقول محبوسة في بوتقه لا تتعداها، وإلا كان جزائها الرجم بالألسنة، والضرب واحلال الدم لمن هم أكثر تشددا في التمسك بأرائهم، وقتل من يخالفونهم الرؤية والرأي ووجب على الأمة إن أرادت صلاحها، أن تزكي هذا الاختلاف في الرأي وأن تجعل له النصيب الأوفى في التعامل مع الأفراد والجماعات، لأن اختلاف الأمزجة لا شك فيه واختلاف الطبائع واقع، لا رد لحكمه في الناس والغرائز، ومنه  تثمر الأفكار التي تحمل الأمة وبنيها إلى سلم الحضارة، ويكون له مكان في صفوفه المتقدمة، ولن يجعل الأمة تتقبل وتستريح نفسها إليه، ويوجد هذا الكم الرهيب من الأمية الثقافية والحياتية، فكسر الجدار لن يكون إلا من الداخل، من العقيدة التي تؤمن، لا من فرض المظاهر والشكليات، فتكون هذه العقيدة هي المحرك، وهي التي تقود دفة السفينة، فحين تكون لدى الجميع اعتقاد بحرية الرأي والاختلاف في كل شيء لأن الإنسان بطبيعته هكذا خلقه الله وأن القوالب الذي يصب الناس فيها عقولهم وعواطفهم، قوالب جامدة، تمسخ الإنسان وتجعل منه صنم، فتربية النفوس وتحفيزها على الاهتمام بتلقي العلم، واتساع مدارك العقل، يجعل من أفقها اتساع لا تحده حدود ثم يدرك ما كان فيه من جهل أطبق عليه حتى جعله سخرة وأسير بل عبد تقيدة أعراف غير صحيحة، ومؤذية للإنسان وما الضر في الحرية إذا كان العنف والإرهاب بعيدان عنها وأن الأمر هنا أمر عقول وأفكار متاحة للجميع، بلا خوف أو إرهاب من معتنقيها، لأن العقل المستنير يرفض أن يكون هناك قوة أكبر من قوة العقل، هي التي تملي على صاحبها المنطق، والدليل فإذا ما خالفه مخالف فلا ضير من ذلك، ولكل رأيه واعتقاده.. فالحرية لا تعني أبدا الفوضى التي لا ترتكز على عقل أو منطق وإنما تريد التخريب بدعوى الحرية، فإذا ما ناقشت أصحابها وجدت أنهم لا يحملون قيما ولا فكرا، وإنها سطحية قد تؤدي إلى تراجع رهيب في أخلاقيات الناس، وتكون سببا مباشر في انهيار الأمة، وليس معنى انتماء الشخص لمذهب معين أو طريقة ما، أن يكون الأمر هو الإندماج التام لكل مايصدر عنها أو ينشأ بين أصحابها، فالأمر بهذا الشكل أيضا غير مقبول، وإنه أيضا أشبه بوضع القوالب، الذي نبذناه ونريد التخلص منه، إذا يجب أن يكون لكل فرد مساحته في طرح أفكار وإيمانه بها، ربما تكون أدلة قناعته بها تختلف عن أدلتك عدم قبولها، فالذين يؤمنون بأثر القوى الغيبة في مسايرة الأمور وتوجيها غير من يرفضها، ولا يقبها على اطلاقها أو يقبلها بنسبة ما وفي أمور محدودة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة