في مقالة بثها البنك الدولي علي موقعه طرح الخبير الدولي أجاي بانغا إشكالية ستواجه العالم في السنوات القادمة وهي ضرورة توفير 1.2 مليار فرصة عمل سنويا، ففي رأيه يتحرك العالم علي موجات ، بعضها علي شكل صدمات عالية التردد : كالحروب و التقنيات الناشئة وحالات الذعر في الأسواق ، والبعض الأخر صدمات منخفضة التردد تتحرك ببطء ولكن بثبات : كالتغيرات الديموغرافية والعولمة وندرة المياه والغذاء، تبدو الموجات عالية التردد ملحة في وقتها ، أما الموجات منخفضة التردد فتعيد تشكيل النظام العالمي.
في خلال السنوات إلي الخمس عشر عاما القادمة في رأي أجاي بانغا ستوفر الاقتصادات الناشئة 400 مليون فرصة عمل سنويا ، وهذا يعني أن هناك فجوة مقدرة ب 800 مليون فرصة عمل سنويا، وهذه الفجوة الهائلة يجب التفكير فيها من الان ، البنك الدولي طرح هذه المشكلة بشكل مبكر، لذا سعي إلي طرح حلول لها ، وذلك عبر اساتراتيجية تقوم علي ثلاثة أركان هي : المعرفة ورأس المال الخاص وأدوات إدارة المخاطر، ففي رأي البنك بدون الأستثمار في الموارد البشرية بات ضروريا ، فعلي سبيل المثال ، يدرب مركز للمهارات بوبانسوار بالهند ، مدعوم بالشراكة مع الحكومة والقطاع الخاص، ما يقارب من 38 ألف شاب سنويا، ولأن التدريب مصمم ليلبي احتياجات سوق العمل الحقيقية ، يحصل جميع المتدربين علي وظائف، أو ينشئون مشاريعهم بأنفسهم، التدريب الهندي يرتكز علي مجالات الهندسة والتصنيع والملكية الفكرية.
في البرازيل يمول البنك المركزي تمويلا ميسرا للمشاريع متناهية الصغر بقيمة 700 مليون دولار، لا سيما في قطاع الزراعة، هذا القطاع الذي يعتمد عليه في دفع عجلة النمو واستيعاب الأيدي العاملة ، فيجب التركيز علي نطاق واسع علي القطاعات الخمس التي توفر فرص عمل وهي : البنية التحتية والطاقة، والزراعة، والرعاية الصحية الأولية، والسياحة، والتصنيع ذو القيمة المضافة.
هذا ناتج من تجارب عدد من الدول التي نجحت في تجاوز الأزمات الاقتصادية، عبر تحقيق أكبر قدر من التأثير من خلال الموارد المحدودة ، خاصة أنه بحلول عام 2050 سيعيش أكثر من 85 % من سكان العالم في الدول النامية، وهذا لا يمثل فقط أكبر نمو في القوي العاملة في تاريخ العالم ، بل يمثل أيضا أكبر نمو في أعداد المستهلكين والمنتجين والأسواق في المستقبل، يؤدي نمو أسواق هذه الدول إلي زيادة الطلب العالمي، وينعكس هذا علي الدول النامية لأن فرص العمل تخلق دخلا واستقرارا وكرامة ، كما أنها تعزز الطلب المحلي، وتمنح الشباب دافعا للاستثمار في مستقبلهم داخل بلادهم ، بدلا من البحث عن فرص عمل في الخارج، وهذا أيضا ما ينعكس علي الدول المتقدمة أيضا ، فمع نمو الاقتصادات النامية ، يزداد الطلب العالمي وتنتعش حركة التجارة الدولية، ويحد هذا من الهجرة غير النظامية.
إن كل ما سبق يستدعي علي الفور الحالة المصرية ، فرغم تعدد المبادرات إلا أن مصر في حاجة إلي المزيد، فالمشروعات الصغيرة والمشروعات التعاونية تشكل جوهر عمليات النمو المستقبلية، ولا شك أن القطاع الخاص في مصر بذل جهودا ملموسة عبر التدريب، وبرز هذا في التدريب علي صيانة السيارات والتدريب الفني علي غرار ما تقوم به مؤسسة السويدي، أو ما تقوم به وزارة الاتصالات ، لكن أيضا هناك بعد يجب اضافته وهو دفع الشباب إلي الزراعة والفلاحة وتربية الدواجن والحيوانات والتصنيع الزراعي متناهي الصغر، لذا بات من الضروري علي وزراة الزراعة اعادة النظر في طرح أراضي مستصلحة للشباب وهي التجربة التي نجحت سابقا في تعمير وزراعة المنطقة الواقعة في شمال غرب سيناء أو في محافظة كفر الشيخ في منطقة الرياض، ولكن بات من المهم التفكير فيها بشكل مختلف في منطقة غرب نهر النيل مع الطريق السريع الغربي الذي يجري فيه العمل حاليا، وذلك في شكل تعاوينيات زراعية تجعل الملكية بشكل تعاوني علي مساحات زراعية أكبر، مع نقل كليات الزراعة إلي هذا القوس الزراعي المستقبلي، فتخصيص 50 ألف فدان لكل من كلية الزراعة جامعة أسيوط وكلية الزراعة جامعة المنيا، سيجعل نمط الزراعة في هذا القوس التنموي مختلفة، إذ سيقوم علي البحث العلمي مع سلع زراعية عالية الجودة كثيفة الانتاج، وسيقلل هذا كله ويحد من هجرة شباب الصعيد من الصعيد إلي القاهرة أو إلي الإسكندرية، وسيوفر فرص عمل بنمط غير مسبوق في تاريخ مصر، ويمكن الاسترشاد في ذلك بتجارب الصين الناجحة في استصلاح وزراعة أراضي جديدة بتقنيات متطوره، وهنا نحن نستقي أفقا جديدا لمستقبل مصر، يقوم علي العلم وتوفير فر ص عمل مع زيادة في الصادرات الزراعية والصناعية، فالزراعة والصناعة والتكنولوجيا الرقمية هما أدوات لا غني عنها لمستقبل اقتصاد مستقر في مصر.