يشكّل المؤرخ التركي الكبير إلبر أورتايلي İlber Ortaylı (1947/2026 الذي رحل عن عالمنا، واحدًا من أبرز الأسماء في دراسة التاريخ العثماني وتاريخ الشرق الأوسط في العصر الحديث. وقد عُرف بقراءاته العميقة للحضارات، وبقدرته على الربط بين الماضي والحاضر في إطار حضاري واسع. ومن بين الموضوعات التي تناولها بإعجاب واضح في أكثر من مناسبة، الحضارة المصرية ودورها في تشكيل التاريخ الإنساني. ولذلك كتب عنه السفير التركى بالقاهرة صالح بيه موطلو شن، أكثر من تغريدة مؤثرة مستعرضا عشق المؤرخ التركي الراحل لمصر.
يقول أورتايلي إن مصر ليست مجرد بلد عادي في تاريخ العالم، بل هي «أم الدنيا» بحق، بل وأمّ العالم الحديث أيضًا. ويعبّر عن علاقته الشخصية بمصر قائلاً إنه في كل مرة يزورها يشعر بالتعب والضجيج والزحام، لكن ما إن يغادرها حتى يتحول ذلك الإحساس إلى حنين عميق وشوق للعودة. هذه المفارقة تكشف عن طبيعة مصر الخاصة؛ بلد قد يبدو مرهقًا في تفاصيله اليومية، لكنه يظل في الذاكرة مصدر جذب روحي وثقافي لا ينقطع.
يرى أورتايلي أن جذور الحضارة الإنسانية في مصر ضاربة في القدم، بل تعود إلى ما قبل ظهور الأديان السماوية. فقد طوّر المصريون القدماء تصوراتهم عن العالم الآخر، وعن الأساطير وطقوس الموت، في منظومة فكرية متكاملة تعكس فهمًا عميقًا للوجود والحياة. كما أنهم حققوا تقدمًا علميًا ملحوظًا في الحساب والهندسة، مستخدمين طرقًا عملية وبسيطة، يرى بعض المؤرخين أنها كانت في جوانب منها أكثر كفاءة من الأساليب التي عرفها اليونانيون لاحقًا.
وفي مجال العلوم، يشير أورتايلي إلى أن كلمة «الكيمياء» نفسها ترتبط باسم مصر القديم «كيم» أو «شيميا»، ما يدل على الصلة العميقة بين مصر القديمة وتطور هذا العلم. ولم يقتصر إسهام المصريين على العلوم النظرية، بل امتد أيضًا إلى قواعد الصحة والنظافة العامة، إذ كانت الحياة اليومية منظمة بدقة؛ من العناية بالجسد والنظافة الشخصية إلى تنظيم الطعام والنظام الغذائي.
أما في مجال الطب، فيلفت المؤرخ التركي إلى أن معرفة التشريح لم تبدأ في الجامعات الأوروبية الشهيرة مثل جامعة بادوفا الإيطالية أو جامعة بولونيا خلال أواخر العصور الوسطى كما يُعتقد غالبًا، بل عرفها المصريون القدماء قبل ذلك بقرون طويلة. فقد اكتسب الكهنة المصريون معرفة واسعة بجسم الإنسان أثناء قيامهم بعمليات التحنيط، التي كانت جزءًا من معتقداتهم الدينية حول الخلود والحياة بعد الموت.
ويتوقف أورتايلي أيضًا عند الدور الإداري والاقتصادي الذي لعبته مصر في التاريخ القديم. فعندما دخل الرومان مصر، لم يحصلوا فقط على إقليم غني بالموارد، بل استفادوا أيضًا من نظام إداري ومالي متطور. فقد تعلموا من المصريين طرق قياس الأراضي وتنظيم الضرائب وإدارة الدولة، وهي عناصر أساسية في بناء الدول المنظمة.
ومن الناحية الحضارية الأوسع، يرفض أورتايلي الفكرة الشائعة التي تربط بداية الحضارة باليونان فقط. فهو يرى أن الحضارة بدأت في بلاد الرافدين، لكن مصر، بفضل ثراء نهر النيل واستقرار دلتا النيل، استطاعت أن تبني حضارة متماسكة استمرت آلاف السنين، وهو ما منحها طابع الاستمرارية والاتساق الحضاري الفريد.
ويصل أورتايلي إلى فكرة فلسفية لافتة حين يقول: «سواء شئت أم أبيت، وسواء علمت أم لم تعلم، فنحن جميعًا مصريون؛ لأن المسألة مسألة حضارة وجودية». فالحضارة المصرية، في نظره، ليست مجرد تراث محلي، بل جزء من الإرث الإنساني المشترك.
وعندما ينتقل إلى الحديث عن القاهرة التاريخية، يبرز إعجابه العميق بطبقات التاريخ التي تتجاور فيها. حيث باب زويلة وشارع المعز لدين الله الفاطمي أحد أجمل شوارع القاهرة التاريخية وأكثرها ثراءً بالآثار الإسلامية. وعلى امتداد هذا الشارع تتجاور عمارة العصور المختلفة، من المماليك إلى العثمانيين، في لوحة حضارية فريدة.
كما يشير إلى أهمية جامع احمد بن طولون مؤسس الأسرة الطولونية ذو الأصول التركية، أحد أقدم مساجد القاهرة، والذي يمثل نموذجًا مهمًا للعمارة الإسلامية المبكرة. وفي هذا السياق يتحدث أيضًا عن الأسبلة، مثل سبيل محمد علي وسبيل ام عباس، التي كانت تجمع بين توفير المياه للناس وتعليم الأطفال في «السبيل كُتّاب»، حيث كان الصغار يتعلمون القرآن والرياضيات واللغة.
ويذكر المؤرخ التركي أنه عندما قاد نابليون بونابرت حملته على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، كان عدد هذه الأسبلة في القاهرة يصل إلى نحو سبعمائة، ما يعكس شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية المرتبطة بالحياة اليومية للمدينة.
في النهاية، يختصر أورتايلي رؤيته لمصر في عبارة تحمل الكثير من التفاؤل: إن مصر بلد يعرف كيف ينهض من جديد، وهو بلد لا يموت أبدًا. فحتى في أكثر الأماكن بساطة أو تهميشًا، يمكن رؤية بوادر النهوض. وهذه القدرة على التجدد، في نظره، هي سر بقاء مصر واستمرارها عبر التاريخ.
وهكذا تبدو مصر في عيون المؤرخ التركي الكبير ليست مجرد صفحة من الماضي، بل حضارة حيّة ما زالت تؤثر في العالم، وتمنح الإنسانية جزءًا مهمًا من ذاكرتها وهويتها الحضارية.