محمود عبد الراضى

قلوب كالحجارة

السبت، 14 مارس 2026 02:26 م


 

في زوايا أقسام الحوادث، وخلف الأوراق التي تسجل الجرائم اليومية، يختبئ أحياناً خبر صغير في حجمه، لكنه يزلزل الجبال في بشاعته.

هو ليس مجرد خبر عن مداهمة دار مسنين غير مرخصة بمصر الجديدة، بل هو مرثية للوفاء، وصك إدانة لقلوب بشرية تحولت إلى حجارة صماء، بل هي أشد قسوة.

قصة بطلها شيخ سبعيني، وهن العظم منه واشتعل الرأس شيباً، ولم يعد يملك من حطام الدنيا سوى ذاكرة مثقوبة بفعل "الزهايمر"، وجسد نحيل يرتجف تحت وطأة برد قارس لا يرحم.


المشهد يدمي القلوب؛ رجل تجاوز السبعين، يقبع مقيداً بالسلاسل داخل "بلكونة" ضيقة، يواجه سياط الشتاء وحده، وكأنه مجرم يقضي عقوبة الأشغال الشاقة، بينما جرمه الوحيد هو "فرط الحركة" الذي لم يتحمله القائمون على الدار، فقرروا وأد حركته بحديد بارد.

لكن الفاجعة الحقيقية ليست في قسوة الغرباء، بل في جحود الأقرباء؛ في أبناء ألقوا بوالدهم في هذا السجن غير المرخص منذ 7 أشهر، هرباً من أعباء رعايته، ونسوا في غمرة انشغالهم بحياتهم أن هذا الرجل هو من حملهم وهنا على وهن، وتحمل "شقاوتهم" وصراخهم وهم صغار، فكان لهم الحضن والوطن.

يا له من عقوق يندى له الجبين، استكثروا عليه بضع ساعات من الصبر في مرضه، بينما أفنى هو عمره صابراً على ضعفهم ووهنهم قبل أن يشتد عودهم.

لم يدرك هؤلاء الأبناء أن الدنيا دوارة، وأن الكأس التي سقيتم منها أباكم اليوم، سيأتي يوم تتجرعون مرارتها من أبنائكم، فالجزاء من جنس العمل، والزمن لا ينسى مظلمة أب بكى وحيداً في "بلكونة" الإهمال.

لقد تحركت أجهزة الأمن لتنقذ ما تبقى من كرامة هذا المسن، لكن من ينقذ تلك القلوب التي تخلت عن إنسانيتها؟!

إن ما حدث في مصر الجديدة ليس مجرد واقعة إهمال إداري لدار غير مرخصة، بل هو جرس إنذار لمجتمع بدأت تآكل فيه قيم الوفاء، ليحل محلها جحود أعمى، جعل من "الأب" عبئاً يُلقى به في زوايا النسيان، مقيداً بحديد الخذيان قبل حديد القيد.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة