حسين السيد يكتب: رمزة ابنت الحريم لـ قوت القلوب الدمرداشية

السبت، 14 مارس 2026 05:00 م
حسين السيد يكتب: رمزة ابنت الحريم لـ قوت القلوب الدمرداشية رواية رمزة ابنة الحريم

صدرت رواية "رمزة ابنة الحريم" لقوت القلوب الدمرداشية عام 1958، كانت تبلغ من العمر حينها السادسة والستين، وهى العمل قبل الأخير لها، فآخر عمل لها هو "حفناوى الرائع" صدر عام 1961، وبعدها توقفت عن الكتابة تماما، ترجم الرواية الأستاذ "دسوقى سعيد" ونشرها ضمن سلسلة "روايات الهلال"، العدد 607، يوليو 1999.

تقع الرواية فى ستة فصول، الفصل الأول بعنوان "الحريم" تحدثت فيه عن عصر الجوارى وطريقة زواج والدتها الجارية من أبيها، الفصل الثانى بعنوان "الطفل المتمرد" تحدثت فيه عن شقاوتها ومرضها وهى صغيرة ومدرسيها وحبها للكتب، الثالث بعنوان "المصيدة" ذكرت فيه الشاب الذى تقدم لخطبتها وطريقة الخطبة ووفاته المؤلمة، كما تحدثت عن حبيبها "ماهر"، الرابع بعنوان "حب فى الإسكندرية" وهو مخصص للحديث عن اشتعال الحب فى قلب الحبيبن، ولقائهما مرارا من وراء الأهل، الخامس بعنوان "الزواج" روت فيه زواجها من حبيبها من وراء أسرتها، أخيرا، جاء السادس بعنوان "حظ بعيد المنال" تحدثت فيه عن الصعوبات التى قابلتهما، والمحاكم التى لجأ إليها والدها لإبطال هذا الزواج، وكيف أصبحت قضية زواجها حديث الصحف والمجلات، وفى النهاية يطلقها حبيبها بعد أن يموت والدها.

رواية رمزة ابنة الحريم
رواية رمزة ابنة الحريم


عندما قرأت الرواية خطر فى ذهنى أنها أقرب إلى أن تكون ترجمة عن حياة قوت القلوب مع تغيير فى الأحداث، الرواية تدور على لسان البطلة "رمزة"، وأحداثها تقع فى أواخر حكم الخديوى إسماعيل، أما الخط الدرامى بها فهو قصة الحب التى نشأت بين "رمزة" و"ماهر" والصعوبات التى قابلتهما، حيث إنه أقل منها فى المكانة الاجتماعية، لهذا يرفض والدها هذا الحب ويحاول منعه ويحاربه، لكن "رمزة" تتحدى أباها، وتصمم على الزواج مممن اختاره قلبها، فتذهب بكامل إرادتها إلى حبيبها، وبالفعل يتزوجان دون رغبة الأسرتين، ويطعن والدها على صحة عقد هذا الزواج أمام المحكمة، ويصدر الحكم لمصلحته، وترفض "رمزة" الانصياع لهذا الحكم، فتذهب إلى مقر عمل "ماهر" بقنا بعد أن ينقل إليها للتفريق بينهما، وفى هذه الأثناء يموت والد "رمزة" حزنا وكمدا على ما جلبته ابنته من العار إليه، ويضيق "ماهر" بتصرفات "رمزة"، فيطلقها بعد أن فقدت أباها وعذرتها واحترام المجتمع.
إن "رمزة" فى الرواية متمردة على كل التقاليد والأعراف الاجتماعية، إنها تعشق الحرية، تحب التغيير، تكره الرتابة والروتين اليومى، تضيق بالبيوت المغلقة والمشربيات، تحب أن تخرج من ظلام البيوت إلى رحابة الدنيا وسعة الأفق، بودها أن تكسر الحواجز والقيود المفروضة على مجتمع النساء، يظهر هذا منذ الفصل الأول، حيث تتحدث عن مجتمع الجوارى والبيئة التى يحيين بها، فقد ولدت وترعرت بين الجوارى، وأمها نفسها كانت واحدة منهن، وتحدثت عن ظروف نشأتها، وكيف أنها جلبت من الصرب، وأن اسمها كان "أولجا"، ثم اختطفت وباعها تاجر الرقيق إلى سيدة من استانبول وسمتها "إندشا" وهى تعنى "اللؤلؤة"، وحقا كانت لؤلؤة مصونة، لم تخرج من صدفتها إلا مرات قليلة، يوم أن بيعت إلى تاجر رقيق بالقاهرة، ثم بيعها إلى وزير مالية الخديوى إسماعيل، وبعد ذلك انتقلت إلى بيت ثرى آخر فى غاية الثراء أيضا وإن لم يكن يضاهى إسماعيل صديق المفتش، وتزوجت فى هذا البيت من والد "رمزة"، ومن وقتها وهى حبيسة بيتها، وماتت قبل أن تصل إلى سن الأربعين بسبب المرض.

أخطأت "رمزة" فى كثير من أفعالها، ويمكن القول إنها أفعال طائشة لا تنم عن أن صاحبها لديه عقل أو كياسة أو حسن التصرف، ورغم أنها حاولت إيجاد مبررات لتلك الأفعال فإنها واهية وهشة، إن والدها واسمه "فريد فوزى" رجل غير منغلق مثل كثير من آباء تلك الفترة الزمنية، فقد تلقى تعليمه فى باريس، حيث أرسله والده ليدرس الحقوق ليكون قريبا من دوائر صنع القرار بمصر، لكنه اتجه إلى الأدب وفنونه وكتب شعرا، والتحق بوظيفة فى مكتب المترجمين، وكان يعقد صالونا فى بيته يحضره الأدباء والموسيقيون والمطربون والصحفيون والفلاسفة، أمثال البارودى وحافظ وشوقى وإسماعيل صبرى والإمام محمد عبده وقاسم أمين، ويلقى عليهم قصائده المترجمة عن الفرنسية لشعراء التقاهم فى أثناء بعثته الدراسية، وكانت "رمزة" وهى طفلة صغيرة تفضل الاستماع إلى مناقشات الضيوف وهم يتحدثون عن أفكار الأفغانى ويعقوب صنوع والشيخ محمد عبده، وأفكار قاسم أمين حول تحرير المرأة ومساواتها بالرجل فى الحقوق، كانت تفضل هذا عن الجلوس فى قاعة الحريم. ودافع الأب عن حق ابنته فى التعليم، فإلى جانب إحضاره مدرسين إليها مثل مُدرِّسة لتعليمها اللغة الفرنسية، وإلى جانب مكتبته الكبيرة، وإلى جانب المناقشات العلمية التى تدور فى البيت، أدخلها المدرسة رغم معارضة جدتها، فكان يؤيد تعليمها تماما. ودخولها المدرسة حدث جلل فى ذاك الزمان الذى تكتفى فيه الأسر الراقية بتعليم بناتها داخل المنزل بالأوليات من التعليم فحسب.

إذن، الرجل كان منفتحا على كل الآراء والتيارات الفكرية، فهو صديق لقاسم أمين والإمام محمد عبده ومتأثر بآرائهما فى ضرورة تعليم المرأة، وكان على صلة بمسيو جاستون ماسبيرو، وارتقى فى سلمه الوظيفى حتى أصبح رئيس مجلس شورى النواب فى البلاط. ومع هذا لم يتخل عن بعض من عادات وتقاليد مجتمعه، وهو أو غيره لن يكون بمقدوره الانسلاخ من هذه العادات دفعة واحدة، فعندما آن زواج ابنته "رمزة"، سار على نهج التقاليد المتبعة فى مثل هذه المسائل من مجىء الخاطبة وعدم رؤية العريس لعروسه، لكنه ذو بعد نظر فى الموافقة على العريس؛ حيث درس فى باريس عدة سنوات، وعاد بدبلوم فى الهندسة، ويحب الرحلات كثيرا، بل كان يشترط، أى العريس واسمه مدحت صفوت، أن تكون عروسه مثقفة لترافقه فى مصر وفى أوروبا وفى أمريكا أيضا. 

قوت القلوب الدمرداشية
قوت القلوب الدمرداشية


ارتأى الوالد أن هذا الزوج مناسب لابنته "رمزة"، يتوافق وطبيعة شخصيتها الميالة إلى الحرية والانطلاق والسياحة فى الأرض، وهى ارتضته زوجا له، لكن الموت اختطفه فى عز شبابه، ولم تشأ أسرته أن تفصم العلاقة بأسرة العروس، فلم تسترد هدايا ابنها الذى رحل، فى إشارة إلى استمرار الصلة بينهما، وأن أحد إخوته سيقترن بها، لكن "رمزة" ترفض الارتباط بهذه الأسرة؛ لأنها تحب شخصا آخر، وهى على استعداد لأن تتحدى العالم من أجل الزواج به.
وموافقة الأب على أخى العريس المتوفى، لها دلالة لم تخف إلا "رمزة" ابنته، فهو مناسب أيضا لها، ولأنه لم يكن منغلقا فقد أفصح عن أسباب رغبته فى أن تتزوج منه، فناقشها وأوضح لها وجهة نظره وحاول أن يقنعها بالحسنى، ولو أنه ضغط عليها فى مسألة تزويجها بالأمر المباشر لما كان عليه أى لوم، فهذا هو المتبع فى ذاك العصر، فى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، فمن تجرؤ على مخالفة أبيها أو حتى أمها فى موضوع زواجها؟ فإلى عهد قريب كانت الفتيات يتزوجن حسب رغبة الأب. أما هذا الأب الطيب فلم ير فى عريسها الثانى إلا أنه يتوافق معها، فلا هو عجوز ولا أحمق ولا مريض، أو مسجون أفكاره، بل هو مثل أخيه المتوفى درس فى أوروبا، ونظرته تقدمية، وأمامه مستقبل وظيفى باهر، وصغير فى السن. تحدث الوالد معها بصراحة كما يفعل أب فرنسى أو إنجليزى مع ابنته.
هذا هو الأب الذى تحدته ابنته، ورأته قاسيا ومستبدا، وتزوجت دون علمه، وهى سليلة الحسب والنسب، وأرغمته على قبول هذا الزواج، وكل ما فعله أن طعن على صحة الزواج أمام المحكمة، اتخذ إجراء قانونيا فحسب، وحكمت المحكمة ببطلان هذا الزواج لعدم الكفاءة والتفريق بينهما، ورغم هذا لم ترضخ ابنته لحكم المحكمة، بل فرت إلى مقر عمل حبيبها بأقصى الصعيد، فكانت النتيجة أن مات أبوها حزنا وحسرة وأسى وغما على ما فعلته ابنته به.
لعله أدرك أنه أخطأ فى تربيتها بأن أطلق العنان لها، فكان عليه أن يسير على الطريقة نفسها التى كانت متبعة فى عصره فى تربية البنات، وها هى زميلة ابنته فى المدرسة "بهيجة" تتزوج من تاجر متحفظ وغامض، وهى بالمناسبة شقيقة حبيبها "ماهر"، أما هو فقد وافق على شاب درس فى باريس، متفتح، يحب السفر. وبعد موته وافق على أخيه، وهو أيضا شاب تقدمى وليس حبيس أفكاره.
لقد مات بسبب أنانيتها، وعدم التفكير فى عواقب ما تفعله، ومع ما قدمته من تضحيات تخلى عنها حبيبها فى أشد لحظاتها احتياجا إليه، يوم مات أبوها، ولم يعد هناك ما يعرقل زواجهما، لكنه لم يقبل تمردها وثورتها وجموحها نحو الانطلاق، فكان جبانا أمام أبيه وأمام المجتمع، هى تحدت أباها وهو رضخ لأبيه، هى نفرت من أبيها وهو استسلم لأبيه، هى عصت أباها وهو أرضى أباه، هى خرجت عن طوق أبيها وهو ظل تحت جناح أبيه، هى خرجت عن التقاليد وهو ظل أسيرا لها، هى تبحث عنه وتسافر إليه وتطارده وهو مقيم فى بيته ويسافر فلا يخبرها ولا يعلمها، هو ظل فى خاطرها يشغل تفكيرها، وهى ليست على باله ولا يعنيه أمرها. أحبها أبوها ولفظها أبوه، كان سيغفر لها أبوها خطأها، أما أبوه فقد عاملها بمنتهى القسوة وجرحها فى كبريائها وشرفها واتهمها بأبشع الألفاظ وأحقرها.
نقد
كما انتقدها الدكتور طه حسين فى كتابه "فصول فى الأدب والنقد" عندما أفصحت عن عيوبنا للأجانب بشكل لا يليق بنا، فقال:"لست أرى بأسًا بأن يترجم هذا الكتاب عن لغتنا إلى اللغات الأجنبية، فيعرف الأجانب أننا لا نشفق من تسجيل عيوبنا، والجد فى إصلاحها. فأما أن نصور هذه النقائص مباشرة فى لغة أجنبية لا لنظهر نحن عليها، بل ليظهر عليها غيرنا، فهذا الذى أقف منه موقف التحفُّظ، ومن المحقَّق أنى لن أُقدِم عليه، وليقل الناس إنى ضعيف؛ فإنى أوثِر مثل هذا الضعف"، فإنى أنتقدها أيضا عندما زعمت أن الثياب التى ترتديها المرأة المسلمة تمحو شخصيتها، فقالت:"لا يوجد شىء يمكن أن يمحو شخصية أحد مثل الثياب الداكنة للسيدات المسلمات"، هذا كلام لا يجدر بها أن تقوله، فما العلاقة بين الشخصية والملابس التى يرتديها الإنسان؟ هل الملبس يعوقه عن التفكير؟ لقد جانبها الصواب فى مقولتها تلك.
وعند حكم المحكمة ببطلان زواجها لعدم التكافؤ قالت إن الحكم "يستند إلى شريعة القرآن الذى يمنع زواج سيدة مسلمة من رجل ذى مستوى وضيع". ونأخذ عليها أنها أسندت الحكم إلى القرآن الكريم، فليس فى القرآن آية تدعو إلى التفريق بين الزوجين بسبب انعدام التكافؤ، ونأخذ عليها أن حديثها موجه إلى القارئ الأجنبى فى المقام الأول، فيفهم هذا القارئ أن القرآن يفرق بين الأزواج على أساس التكافؤ، ومن ثم الطعن فيه، فكان عليها أن توضح هذه المسألة توضيحا يزيل أى لبس بشأنه. وبداية لا بد أن نعلم أن زوجها ليس ذا مستوى وضيع، فهو يعمل ضابطا فى معية الخديوى عباس حلمى الثانى، وأسرته على جانب كبير من الثراء، وإن كان لا يصل إلى ثراء أسرتها، فهنا الكفاءة متوافرة فى الاثنين.
عند قراءة هذا الفصل يتوارد إلى الذهن قصة زواج الشيخ "على يوسف" صاحب جريدة "المؤيد" من السيدة "صفية السادات"، وكأن قوت القلوب نقلت القصة بكثير من تفاصيلها، فالصحف تكتب عنها، ويتدخل الخديوى عباس حلمى الثانى، ويصدر الحكم بالتفريق بين الزوجين.

 

 

حسين السيد
حسين السيد

 

أخطاء قوت القلوب

 

أخطأت قوت القلوب فى اسم وزير مالية الخديوى إسماعيل الذى بيعت له أمها "إندشا" فى بداية الأمر، فقالت إن اسمه "إسماعيل صادق"، وهذا خطأ والصواب أن اسمه "إسماعيل صديق" ويعرف أيضا بإسماعيل صديق المفتش، وقصة وفاته شهيرة.
صرحت بأن الخديوى ألغى تجارة الرقيق فى أغسطس 1837، وهذا خطأ، فلم تكن فى مصر آنذاك الخديوية، وإنما كان محمد على هو الوالى. أما الخديوية فقد ظهرت فى عهد إسماعيل، وعلى ضوء هذا فإن التاريخ الصحيح لإلغاء الرقيق فى مصر هو سنة 1877.
ذكرت أنها كانت تستمع من وراء الباب إلى المتحدثين فى مكتبة والدها، وعددت بعض أسمائهم ومنهم البرنس "حيدر على". ما أعرفه أنه البرنس "حيدر فاضل"، وهو معدود من أدباء اللغة الفرنسية، وهو أخو الأميرة "نازلى فاضل" ابنة الأمير مصطفى فاضل ابن إبراهيم باشا وهو الأخ غير الشقيق للخديو إسماعيل.
وعلى هذا فإن "نازلى" هى ابنة عم الخديوى توفيق، وزعمت قوت القلوب أنها أخت أم الخديوى، وهذا ليس صحيحا، فأم الخديوى توفيق كانت شفق نور هانم وهى فى الأصل جارية. وأم الخديوى عباس حلمى الثانى، زوجة توفيق، كانت أمينة هانم إلهامى بنت إبراهيم إلهامى بن عباس الأول بن طوسون بن محمد على. أى لم تكن "نازلى" أختا لأم الخديوى سواء توفيق أو لابنه عباس حلمى الثانى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة