من جديد تضع الحرب أوزارها، لتترك على كاهل كل إنسان على ظهر الأرض ثقلاً لا طاقة له به، ولا ناقة له فيه ولا جمل، غير أنها حفنة من أغراض مسمومة قد امتلأت بها أجندات من يحتلون مراكز قيادة هذا العالم، وقد آن لهم أوان تنفيذها حتي وإن احترقت الأرض ومن عليها من بشر.
استوقفني سؤال قد طرحته على سيدة بسيطة تساعدني بالمنزل، والذي كان: (هو ليه يا مدام الأجرة غليت تاني وهي لسه زايدة قريب، ده احنا يادوب بدأنا نرتب أمورنا على الزيادة اللي فاتت، ايه السبب يعني؟)
وكان ردي: إنها الحرب والخراب اللي سببته،
قالت: (ومالها الحرب البعيدة دي بأجرة المواصلات؟)
رديت: ما هي الحرب أدت لزيادة سعر البترول وده خلي البنزين يغلي و بناءً عليه الأجرة زادت و كمان يمكن حاجات كتير تغلي ، و هو ده اللي الحروب بتعمله في الشعوب.
هذا الحوار كان ملخصاً مبسطاً لكارثة كبيرة نالت من معظم سكان الأرض خاصة من البسطاء الذين يدفعون أثماناً باهظة لا يقدرون عليها إرضاءً لغرور الطغاة وعنادهم وتحقيقاً لأطماعهم التي لا تحدها حدود.
فهل يحتمل العالم أوزار حرباً جديدة؟
هل سيعيد التاريخ نفسه مرة أخرى قاهرًا كل التعهدات والتأكيدات والالتزام الذى ألزمت به الدول التى نالها من الدمار والخراب بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية نفسها بانقضاء عصر الحروب المباشرة التى تأذت منها البشرية أذى عظيم؟
فبالرغم من تخلى الدول الكبرى عن فكرة الاستعمار التى كانت مدعاة للتفاخر والتباهى فيما بينهم والسعى للفوز باستعمار أكبر عدد من الدول من قِبل كل دولة لتتفوق على غيرها بما تمتلك من أراضى وخيرات الغير، إلا أن الهدف ما زال قائمًا متغلغلاً فى النوايا والأنفس !
فقد استعاضت الدول الاستعمارية عن فكرة الاحتلال المباشر وراحت تبحث عن أشكال جديدة للتدخل والسيطرة عن بعد لفترة من الزمن ' لكنها سرعان ما عادت لسيرتها الأولي و كشفت عن الوجه الأقبح دون أن يكون هناك ما تخشاه لتعلن من جديد عن عودة متبجحة لعصر الإستعمار الجديد الذي يستبيح كافة الطرق و الوسائل.
لكنها قد غفلت أن موازين القوى فى العالم لم تتوقف عن التغير مرات ومرات على مدار التاريخ،و لن تتوقف.
فقد كانت بالماضي البعيد الإمبراطورية اليونانية تعتلى عرش القوة والنفوذ ولكن سرعان ماتهاوت وحلت محلها الإمبراطورية الرومانية، ثم كانت الدولتان العظمتان فى القدم هما إسبانيا والبرتغال،
و بعد أن دار الزمن دورته فلم تعد دولاً عظمى وآل اللقب لإنجلترا وفرنسا اللتين تربعتا على العرش زمنًا طويلاً احتلتا فيه نصف العالم واستنزفتا خيراته !
وبعد الحرب العالمية الثانية تغيرت الصورة وبدأ نجم دولتين عظمتين تتنافسا على قيادة الأرض وهما أمريكا والاتحاد السوفيتى، وما دار بينهما من حروب باردة انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتى لتجد أمريكا نفسها متربعة بمفردها على عرش القوة بلا منازع ! وكان هذا الانفراد بالنفوذ مدعاة للتعجرف والتدخل السافر فى شئون الغير والتحكم فى مصائر الدول بمحرك ودافع أساسى هو المصلحة فحسب .
فما لا يتوقعه هؤلاء المتغطرسين أن التاريخ يعيد نفسه وأن الأيام دول، وها نحن نشاهد بأعيننا ما قرأناه وتعلمناه فى كتب التاريخ دون أن نعاصره !
هل يتوارى الضمير الإنسانى ويتنحى جانبًا ليترك البشر عرضة للدمار من جديد بعد هيروشيما وناجازاكى وبيرل هاربر و دمار قطاع غزة و هلاك أهله وغيرهم من تبعات الحروب التى أنهكت العالم؟
هل يحتمل العالم حربًا جديدة فى ظل كل هذا التقدم والتطور فى كل أشكال وأنواع الأسلحة وعلى رأسها السلاح النووى؟
هل ستكون منطقتنا العربية مسرحًا لحرب جديدة بين القوى الكبرى التى تصارع بعضها البعض على فرض النفوذ واستعراض العضلات على حساب دول لم تعد تحتمل المزيد، حيث فاضت بما أصابها من ويلات التفكك والانهيار والحروب الأهلية والطائفية والتنظيمات الإرهابية التى تم تصديرها وتمويلها من تلك الدول الكبرى حسب المخطط المرسوم؟
هل سيدفع الوطن العربى مزيدًا من فواتير الدمار لصالح صراعات الدول التى لا يعنيها إلا استنفاد خيراته واللعب بمقدراته؟
بنى أُمتى: ألم يكن فى الاتحاد قوة؟ ألم تكن الوحدة بين بلدان المنطقة خيرًا لنا جميعًا كى لا نتحول إلى أوراق كوتشينة تتناقلها أيادى اللاعبين من ذوي السطوة والنفوذ لصالح ترسيخ مكانة الكيان الصهيونى بالمنطقة كيفما تشاء؟