فلسفة بناء الإنسان الحقيقية ليست مجرد تشييد لظاهرة، بل عملية غائرة في العمق، تقوم على تعديل السلوك، وتهذيب النفس، وصياغة الوجدان صياغة سامية رفيعة، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بامتلاك خبرات مربية نابضة بالحياة، تصهر كيان الفرد في بوتقة تفاصيل التجربة، وتمنحه المقدرة على العطاء، الذي لا ينضب، والقدرة على السعي الدؤوب في مناحي دروب الخير؛ حيث يغدو كل نفس من أنفاسه نبضًا للبناء، وكل خطوة من خطاه لبنة في صرح الفضيلة؛ فيواصل بعزيمة المخلصين مسيرة النهضة والإعمار، وينشر بذور النماء في أرجاء المعمورة، محوّلا الوجود من حوله إلى واحة، تزهر فيها القيم النبيلة، ويستمر بها ميثاق الاستخلاف، الذي حمّله على عاتقه؛ ليجعل من الأرض وطنا للخير، ومن الحياة رسالة للحب، والجمال.
من هذا المنطلق، تتجه أنظار القلوب إلى المؤسسات الحضارية بأنواعها وتباين غاياتها؛ إذ لا تكتفي ببناء الهياكل، بل تحمل أمانة تحسين الممارسات الإنسانية، وصقل الملكات الباطنية؛ فتدفع المرء نحو ذروة الإتقان في عمله، وتفتح أمامه آفاق تطوير أدائه، وتجويد عطائه؛ فيقف أمام نفسه وقفة المحاسب الأمين، يقيم أفعاله بميزان، مستشعرا ثقل الأمانة، وعظمة المسؤولية بوصفها ميثاقا بينه، وبين خالقه، ومجتمعه.
تلك المقاصد النبيلة تؤكدها فضائل الشهر الكريم، إذ تستهدف أيامه المباركة أن يتحول الفرد إلى مزارع للقيم، يغرس في تربة الأيام بذور الخير؛ لتنبت نفعا يعم العباد، وأرجاء البلاد، ويستحيل ظلّا يأوي إليه المتعبون، وهذا التسامي في العطاء، والرسوخ في النفع، هو ما نسميه "الأثر الباقي"؛ ذلك الصدى، الذي لا يخبو، والذكر الطيب، الذي يبقى حيّا في ضمير الوجود، بعد رحيل الأجساد.
تعلّمنا هذه الأيام أن تهذيب السلوك، وتقويم النفس لا يقاس بكثرة الخيرات المادية، أو بتعدد مظاهر العطاء، بل يظل رقي الخلق مرهونًا بقدرة الفرد على إدراك مكنون الطاعة بوصفها صلة روحية، تتجاوز الشكل إلى عمق المضمون، وفهمًا واعيًا لجدواها؛ حيث تضرب بجذورها في أعماق الوجدان؛ لتبقي أثرا لا يذوي بمرور الأيام؛ سواء بدا في سكينة داخلية، تغسل شتات النفس، وتمنحها الطمأنينة، أم في نفع مبارك، يغمر الآخرين بفيض الإحسان؛ فيغدو السلوك في نهاية المطاف ترجمة عملية لقيم إنسانية، تجعل من الطاعة حياة، ومن الأثر بقاء.
تنبثق فيوض هذا الشهر في مكامن الأرواح؛ لترتقي بالمرء إلى معارج القرب، والاتصال الوجداني، حين يشتد الحرص على تزكية النفس، وتطهير القلب، عبر ممارسات روحية، وتجلّيات قيمية؛ فيغدو الصبر الجميل في هذا المخاض الروحي كنزًا ثمينًا، ودرعًا حصينًا، يقي النفس من عثرات الجزع، ويتحوّل من مجرد احتمال مرّ إلى حالة رضا، تملأ الجوانح بالطمأنينة، وتطبع على وجه الحياة أثرًا لا يغيب.
تنساب مراجعة النفس كفعل واعٍ، يستقصي مواطن الجمال، ويستنطق مكامن الصفاء؛ ليصنع الأثر، الذي لا يزول؛ حيث نبل الكيان البشري في محبة صادقة، تحتضن الآخرين، وتتلمس احتياجاتهم بقلب يسبق العين في الرؤية، واليد في العطاء؛ فيمضي المرء في دروب، يغمرها الأمل، مهما ادلهمّت الخطوب، باحثًا عن لمسة حنان، تواسي المكلوم، أو بارقة رجاء، تحيي النفس اليائسة؛ فتغدو هذه الوقفة معيارا للسموّ، ووسيلة؛ لتهذيب الوجدان من شوائب الأثرة، ومن ثم تنصهر الأرواح في بوتقة الإيثار؛ لتترك إرثا من النور، يضيء لمن خلفها الطريق، ويبرهن ماهية "رمضان.. الأثر الباقي".
رمضان ليس محطة عابرة في سجل الأيام، بل عهدًا، يتجدد في أعماق الروح، وميثاقًا، يوقظ فينا إنسانيتنا، كلّما أوشكت أن تذبُل تحت ركام العادة، والغفلة؛ فإذا انقضت لياليه، وطويت صحائفه، بقي فينا منه نبض، لا يخفت، وأثر لا يبهت، يذّكرنا بأن البناء الحق يبدأ من الداخل، وأن أعظم ما نحمله معنا من مواسم الطاعة، ليس عدد ما أدينا، بل صدق ما تحوّل فينا؛ فهناك، في تلك المسافة الخفية بين القلب، وربه-عزوجل-، يولد الأثر الباقي؛ أثرًا يمشي معنا في طرق الحياة، ويشهد لنا حين نغيب، ويكتب بأعمالنا سيرة نور، لا تنطفئ.
اللهمّ اجعل رمضان جابرًا للقلوب، ساترًا للعيوب، ماحيًا للذنوب، اللهمّ اشغلنا بطاعتك عن خلقك، واجعلنا ممن صام الشهر إيمانًا واحتسابًا فأدرك ليلة القدر وفاز بواسع الثواب والأجر، واجعل لرمضان في قلوبنا نورًا لا ينطفئ، وفي أعمالنا أثرًا لا ينقطع، وتقبّل من الصائمين صيامهم وقيامهم، واكتب لهم صدق القصد وحسن الخاتمة، اللهمّ اغفر لأمواتنا وارحمهم رحمة واسعة، ونوّر قبورهم، واجمعنا بهم في جناتك، واجعل هذا الشهر شاهدًا لنا لا علينا، وأثره في حياتنا باقيًا ما بقيت أنفاسنا.
-
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر