في كل عام يأتي ماراثون الدراما محمّلاً بوعود المتعة والتشويق لكن ما يلفت الانتباه في هذا الموسم هو الحضور الطاغي لمشاعر الوجع والألم والخذلان في معظم الأعمال المعروضة.
يكاد المشاهد يخرج بانطباع واحد أن الدراما العربية هذا العام تبدو وكأنها كتبت تحت وطأة واقع مثقل بالجراح وأنها تستحضر ملامح الخيبة الجماعية التي يعيشها الإنسان العربي في أكثر من مكان.
فالدراما التلفزيونية بطبيعتها لا تنشأ من فرا غ لانها ابنة البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تنتجها ولذلك حين يزداد منسوب القلق والاضطراب والقضايا المختلفة في المجتمع يصبح من الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة على النصوص الدرامية وعلى الشخصيات وعلى طبيعة الصراعات المطروحة داخل العمل الفني.
ومن هنا يمكن فهم سبب هيمنة موضوعات الفقدان والانكسار والخيانة والصراع النفسي في كثير من المسلسلات المعروضة هذا العام.
ومع ذلك لا بد من التمييز بين الواقع والدراما… فالدراما لا تنقل الواقع كما هو بل تعيد تشكيله فنياً الكاتب والمخرج لا يقدمان الحياة اليومية بكل تفاصيلها العادية بل يختاران اللحظات الأكثر توتراً وصراعا و صداماً ليبنيا عليها الحكاية.
لذلك تبدو الدراما العربيه هذا العام وفي كثير من الأحيان أكثر كثافة وأشد قسوة من الواقع نفسه فالمأساة في الدراما تُضغط في حلقات محدودة وتُحمَّل بمعانٍ رمزية واجتماعية لتصبح تجربة إنسانية مكثفة.
ومن زاوية نقدية يمكن القول إن هذا الميل المتزايد نحو الدراما الثقيلة عاطفياً يعكس تحوّلاً في المزاج الإبداعي العربي فبعد سنوات طويلة سيطرت فيها الأعمال الاجتماعية التقليدية أو الكوميديا الخفيفة بدأت الدراما تتجه أكثر نحو استكشاف الجرح الاجتماعي والنفسي وكأن الكتّاب والمخرجين يحاولون عبر الشاشة تفريغ القلق العام أو قراءة ما يجري في المجتمعات من تصدعات وتحولات عميقة.
لكن هذا التوجه يطرح سؤالاً مهماً.. هل وظيفة الدراما أن تعكس الألم فقط أم أن عليها أيضاً أن تفتح نافذة للأمل؟
الدراما القوية ليست تلك التي تغرق في السوداوية بل التي تستطيع أن توازن بين كشف الجرح والبحث عن المعنى. فالفن في جوهره ليس مجرد تسجيل للمعاناة بل محاولة لفهمها وإضاءة الطريق للخروج منها ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي أمام صناع الدراما هو ألا يتحول الألم إلى غاية في ذاته بل إلى وسيلة لطرح أسئلة أعمق حول الإنسان والمجتمع.
إن ما نراه في دراما هذا العام يؤكد مرة أخرى أن الشاشة ليست مجرد وسيلة ترفيه بل مساحة لقراءة الواقع وإعادة التفكير فيه فالدراما تأخذ من الواقع مادتها لكنها ليست الواقع نفسه إنها مرآة فنية تعكسه أحياناً بحدة وتضخّم تفاصيله أحياناً أخرى لكنها في النهاية تبقى حكاية تُروى لكي نفهم حياتنا بصورة أعمق.
ولهذا حين نشاهد كل هذا الوجع على الشاشة ربما علينا أن نتذكر أن الدراما لا تعيد إنتاج الواقع فقط بل تحاول أيضاً أن تمنحه معنى وفي تلك المسافة بين الحقيقة والحكاية يولد الفن.