أعاد أحد المشاهد في مسلسل النُص التاني الحديث عن حمّام الطمبلي التاريخي في القاهرة، بعد الإشارة إلى استخدامه خلال فترة الحرب العالمية الثانية كإجراء للصحة العامة لمواجهة انتشار مرض التيفود، ووفق الرواية التي يذكرها العمل، كانت السلطات المصرية تلزم الأهالي بدخول الحمّام للاستحمام وتزويدهم بالمطهرات ضمن إجراءات الوقاية الجماعية في ذلك الوقت.
قصة حمّام الطمبلي
لكن قصة حمّام الطمبلي أقدم بكثير من تلك الفترة، إذ يعود تاريخه إلى العصر العثماني، حيث أُنشئ في القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي، ويقع الحمّام في شارع الصبّان المتفرع من شارع بورسعيد في حي باب الشعرية بالقاهرة، وهو مسجل كأثر تاريخي برقم 564 ضمن الآثار الإسلامية.
ينسب إنشاء الحمّام إلى التاجر نور الدين علي بن جلال الدين محمد الطمبلي، أحد كبار التجار في مصر آنذاك، ويُعتقد أن لقب الطمبلي يعود إلى قرية تسمى طمبلة أو طنبذة، وهي قرية ورد ذكرها في القاموس الجغرافي تقع غرب النيل في صعيد مصر ضمن أعمال البهنسا.
وكان الطمبلي من تجار الكارم، وهي فئة تجارية كانت تتحكم في تجارة التوابل والبهارات القادمة إلى مصر من الهند عبر موانئ اليمن، وقد اشتهر تجار الكارم بثرواتهم الكبيرة، إذ كانت هذه التجارة من أهم طرق الثراء في ذلك العصر، ويرجع أصل كثير منهم إلى مناطق في بلاد الكانم الواقعة بين بحر الغزال وبحيرة تشاد في السودان الغربي، ومنها اشتُق اسم الكارم بعد تحريفه مع مرور الزمن.
أتاحت تجارة البهارات للطمبلي تحقيق ثروة كبيرة، فبدأ في شراء العديد من الممتلكات في القاهرة، من بينها: منزل في منطقة القرابيص على بحر بولاق، قيسارية وربع تجاري قرب جامع الواسطي، أملاك قرب ميدان الغلة خارج باب القنطرة، إضافة إلى حمّامين داخل باب الشعرية من بينها حمّام الطمبلي
ورغم ثرائه الكبير، عُرف الطمبلي بين الناس بحسن المعاملة، وكان يقرض المحتاجين، كما كان كثير الحج والإنفاق على نفسه. وقد توفي عام 836 هـ / 1432 م عن عمر تجاوز السبعين عاماً بعد أن اعتزل التجارة في سنواته الأخيرة.
حمّام الطمبلي كذلك كان جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية في القاهرة القديمة. فقد شكّل عبر عقود طويلة مكاناً للقاء الناس وتبادل الأخبار والاحتفال بالمناسبات.
ويشير بعض رواد الحمّام القدامى إلى ارتباطهم العاطفي بالمكان، حتى أن بعضهم عبّر عن حزنه عند إغلاقه، مؤكداً استعداده للمساهمة في إعادة فتحه. كما ترى كثير من السيدات أن الحمّامات التقليدية تمثل جسراً يربط المصريين المعاصرين بتاريخهم وجذورهم الثقافية، ويفضلن زيارتها في الأحياء التاريخية بدلاً من المرافق الحديثة.
ورغم تراجع انتشار الحمّامات الشعبية في المدن الحديثة، فإن حمّام الطمبلي يظل مثالاً نادراً لمبنى تراثي احتفظ بوظيفته ومكوناته المعمارية التقليدية لفترة طويلة، ما يجعله جزءاً مهماً من ذاكرة القاهرة التاريخية.