ورد فى الأثر أنّ «من شابه أباه فما ظلم»، ومرشد الثورة الجديد يكاد يطابق سلفه الراحل من زوايا عدّة: اسمًا وشكلاً ومُحافظةً، فضلاً على رمزيّةٍ دفع ثمنها استباقًا من اللحم الحىّ؛ غير أنه يزيد على خامنئى الكبير بشرعيّة الدم.
تعرض الوالد لمحاولة اغتيال بعد سنتين وعدة أشهر من انفجار الثورة. خسر واحدًا من أطرافه الأربعة، وربح ثقة الإمام الخمينى ودعمه، وحِيزت له هالة البطولة والفداء من أطرافها.
وقعت الحادثة فى يونيو؛ فاختير رئيسا للدولة بدءا من أكتوبر، ولثمانى سنوات تالية.
بجسدٍ إلّا ربعًا تقريبا، عاش المرشد الأعلى قرابة أربعة عقود يقضى فى بلاد الفرس الواسعة بصلاحيات شبه إلهية، يُوقِفُ نموَّها داخليا، ويمدّ أذرعها خارجًا لآخرها، مع تحويطها بسياجات عالية، بعيدة وقريبة، عززت شعورها بالأمان؛ إلّا أنها خيمت على سمائها ومنعت عنها ضوء الشمس.
يرتقى الابنُ مسنَدَ القيادة بخاتمٍ على الجسد أيضًا. أُصيب فى فاتحة العدوان الأخير، ولا تُعرَف طبيعة حالته على وجه اليقين.
عرّف به التليفزيون الرسمى فى جُملة معلوماته بعد الاختيار بأنه «جريح حرب رمضان»، وأكّد ابن الرئيس بزشكيان أنه بخير.
الحدث جَلل، ولا رسالة من الرجل أو صورة صامتة. تأمينه يتطلب الإخفاء، وتطبيع قيادته يحتاج إلى الظهور ولو افتراضيا. ربما الإصابة صعبة، والصلاحية آخر ما يُسأل عنه فى أوقات الأزمات.
ظل التوريث شبهة تلوح فى الأُفق من بعيد؛ وإن جرى التحضير له بانتظام. حصل «مُجتبى» على صفة «آية الله» قبل أربع سنوات، من دون استيفاء متطلباتها؛ فبدا التصعيد سياسيًّا، وأبعد ما يكون عن التدرّج الطبيعى فى الحوزة.
لطالما أُشيع أن المرشد الثانى يرفض استخلاف ولده الثانى. وهو ما كان يُقال عن الأسد الأب؛ حتى وُضِع بشار فى مكانه، ولم يتوقف ترداده فى حالات مبارك والقذافى وعلى عبد الله صالح؛ لولا أن فوضى الربيع العربى حسمت الجدل.
ولو صح؛ فإن الوريث لم يكُن ليعتمر العمامة الأعلى بموافقة المُورّث، ولا كان بمقدوره أن يتخطّى اعتراضات المراجع والآيات فى الأحوال العادية.
الحرب حيّدت الوالد، وذوّبت اعتراضات المُعترضين، وحملته من الكواليس للواجهة على دبابة الحرس.
ولترامب نفسه دور فى تزكية الصقر الصغير؛ إذ تكفّل بتسويقه على أحسن ما يكون عبر الرفض الاستباقى، وتعزيز نقاطه بعد التنصيب بمواصلة الاعتراض عليه.
ولا شىء أفضل من أن يكرهك عدوّك؛ مهما كانت ضآلتك.
معروف للجميع أنه لم يتوَلّ منصبا رسميا فى حياته، وما تجاوز حيّز السكرتير غير الرسمى، ورجل الظل فى الصفقات المشبوهة وتشبيك المؤسسات داخل الغرف المظلمة.
يفتقد الخبرة، والسيرة المهنية، وكياسة الأب. ورغم أنها لم تنقذه؛ فقد أطالت عُمره وبقاءه فى الحُكم.
سرب عصافير يسقط فى عمامة واحدة: ابن المرشد الشهيد، صديق الجنرالات من حرس الثورة، أكثر محافظة من المحافظين، وتنعقد بين يديه ولاية الدم.
أى يحقّ له أن يرفع عباءة الأب على أسنة الرماح وفى مواكب الثارات، كما لا يتيسّر لأحد أن يُزايد عليه لو أنه تهاون فيها، أو قدّم التنازلات المطلوبة عندما تصير اضطرارية ولا فكاك منها.
مكسب سهل بمجرّد الإعلان عن الاسم. ربح معنوى يتحقق بمخالفة العدوّ، آية على التحدّى والصلابة، ومثال للاستقلال ومقاومة الغُزاة. تجارة فى سيرة الأب لا أكثر، ووظيفية لن يطول عليها الأمد للأسف.
أمس تعادلت الجولة الراهنة مع حرب الاثنى عشر يوما فى يونيو. الصهاينة مُصرّون بغلظة، والممانعون صامدون باصطناع، وبينهما يتقلّب ترامب على نار التناقضات: يقول الشىء وعكسه، يُهدّد ويُبشّر، ويُهاتف بوتين لإيجاد مخرج.
المُشكلة أن أية نهاية من دون تفكيك النظام بمثابة الخسارة للولايات المتحدة، وكل إطفاء بلا تبريد أو ضمانات لعدم العودة ليست مكسبًا للإيرانيين. وفى بعض الحروب يُمكن أن يُهزَم الطرفان؛ إنما يستحيل دائمًا أن ينتصرا معًا.
لم يتضرر المشروع النووى بأكثر من السابق، ومخزون الصواريخ قابل للتعويض. الحسم الوحيد فى تدمير البحرية؛ ولم تكن من مكوّنات استراتيجية التهديد الأصيلة، أو شكّلت فارقًا فى نوعية القتال بالأسبوعين الأخيرين.
سيعبر الحرس بالدولة على شكل أسوأ، وسيظل المُرشد خاتما فى إصبعه. كان اعتذار بزشكيان للخليج إشارة وُئِدت سريعًا، وبعدما أفاض المُحلّلون فى دلالتها، بين الانقسام أو توزيع الأدوار وسواهما، تراجع الرجل أمام البندقية الغاضبة.
يتكرر مشهد خامنئى بعِلّته، مع بلد أضعف، وخيوط مُعقّدة محليا وخارجيا، وهامش يضيق على الفخر والادعاء وسُبل النجاة أيضًا. قد لا يكون مُجتبى الأخير شكلاً؛ لكن النهاية صارت فى حُكم اليقين.