ما أصل موائد الرحمن فى مصر؟ أستاذ التاريخ والحضارة: تقليد عمره أكثر من ألف عام

الأربعاء، 11 مارس 2026 05:16 م
ما أصل موائد الرحمن فى مصر؟ أستاذ التاريخ والحضارة: تقليد عمره أكثر من ألف عام الدكتور عمرو منير

كتب محمد عبد المجيد

أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن موائد الرحمن التي يعرفها المصريون اليوم ليست تقليدًا حديثًا كما يعتقد البعض، بل تمتد جذورها إلى أكثر من ألف عام، موضحًا أن بدايتها تعود إلى العصر الفاطمي فيما عُرف آنذاك باسم «دار الفطرة».

 

«دار الفطرة».. المطبخ الرسمي لإفطار المصريين في العصر الفاطمي

وأوضح خلال حلقة برنامج «رمضان حكاية مصرية» المذاع على قناة الناس، أن المصريين قبل ظهور مصطلح موائد الرحمن كانوا ينتظرون في شهر رمضان افتتاح دار الفطرة، وهي مؤسسة ضخمة أشبه بمطبخ الدولة، حيث كانت تفتح أبوابها في أول ليلة من رمضان بأمر من الخليفة الفاطمي، وتبدأ حركة واسعة للطهاة والخبازين والخدم الذين يعملون طوال الليل لإعداد الطعام.

وأشار إلى ما رواه المؤرخان ابن الطوير وابن المأمون حول تجهيز آلاف الأرغفة يوميًا، إلى جانب إعداد السكر واللحوم والأرز والبلح التي كانت توزع بشكل منتظم، ليس على الفقراء فقط، بل أيضًا على العلماء والفقهاء والجنود والأيتام، بما يعكس نظامًا اجتماعيًا قائمًا على التكافل والكرامة.

 

احتفالات منتصف رمضان وتوزيع الطعام والكسوة

وأضاف أن المؤرخ تقي الدين المقريزي وصف مشاهد توزيع الطعام والكسوة في ليلة النصف من رمضان، حيث كان المحتاج يحصل على الطعام والملابس معًا، ليخرج وقد حفظت كرامته، وهو ما يؤكد أن رمضان في ذلك العصر كان مناسبة اجتماعية متكاملة.

 

سفر السلاطين في العصر المملوكي

وأوضح الدكتور عمرو منير أن التقليد تطور خلال العصر المملوكي، إذ أقام السلاطين ما عُرف بـ«سفر السلطان»، وهي موائد ضخمة كانت تُفرش في الشوارع المحيطة بالقلعة وتضم أصنافًا متعددة من الطعام مثل الأرز والخراف المشوية والقطايف والكنافة، إلى جانب حلوى عُرفت باسم الزلابية السلطانية.

وأضاف أن من مظاهر التكافل أيضًا ما كان يسمى «نقطة رمضان»، حيث كانت بيوت السلاطين ترسل أكياس الدقيق والسمن والسكر إلى الفقراء، ليصبح الشهر الكريم موسمًا للدعم الاجتماعي والشعور بمسؤولية الدولة تجاه المجتمع.

 

الأوقاف العثمانية وبداية الموائد الأهلية

وأشار إلى أن العصر العثماني شهد تحولًا مهمًا، إذ لم تعد الموائد مرتبطة بالحكام فقط، بل ظهرت أوقاف مخصصة لإفطار الصائمين، حيث أوقف رجال ونساء أموالًا لإقامة موائد رمضانية، وهو ما شكل بداية الموائد الشعبية التي انتشرت لاحقًا في مصر.

 

القرن التاسع عشر.. اقتراب الشكل من موائد اليوم

ولفت إلى أن القرن التاسع عشر شهد ظهور الشكل الأقرب لموائد الرحمن الحالية، إذ ذكر علي مبارك في كتاب «الخطط التوفيقية» انتشار موائد الإفطار في مناطق الأزهر والحسين والسيدة زينب وبولاق، مع تنافس التجار في إعداد الطعام وتقديم أكبر عدد من الموائد.

كما وصف الرحالة الإنجليزي إدوارد لين هذه الظاهرة بإعجاب، مشيرًا إلى امتلاء شوارع القاهرة بموائد يجلس عليها الجميع دون تفرقة بين فقير أو غريب، في مشهد يعكس روح التضامن الاجتماعي المصري.

 

موائد الرحمن.. صدقة لروح رمضان قبل أن تكون للفقراء

وأكد أستاذ التاريخ والحضارة أن المصريين لم ينظروا إلى موائد الرحمن باعتبارها صدقة للفقراء فقط، بل باعتبارها تعبيرًا عن روح رمضان نفسها، موضحًا أن رحلتها بدأت من دار الفطرة الفاطمية، مرورًا بموائد المماليك وأوقاف العثمانيين، حتى وصلت إلى الموائد الشعبية المنتشرة في شوارع مصر اليوم.

 

ميراث مصري مستمر عبر العصور

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الطعام في موائد الرحمن لم يكن مجرد وجبات، بل رمزًا للستر والرحمة والتكافل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن رمضان ظل دائمًا الوقت الذي يشعر فيه المصري بمسؤوليته تجاه جاره قبل نفسه، لتبقى موائد الرحمن واحدة من أجمل الظواهر الاجتماعية الممتدة في تاريخ مصر لأكثر من ألف عام.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة