وجهان لعُملة واحدة؛ وإن أنكرا أو أبدَيا العكس. وليس عن مؤامرة أو حبكةٍ مُلفّقة؛ بقدر ما يعود جوارهما وأُلفته المُضمرة لتشابه الغريمين، فى السيكولوجية والأطماع، وفى الجَور على الآخر، وإعلاء الذاتية فوق كل اعتبار وموضوع.
صداقة قديمة على حساب المنطقة، ثم عداء على حسابها أيضًا. وبصمة أمريكية ثقيلة فى بيئات العرب، توازيها وتنافسها بصمات لا تقل ثِقَلاً فى ساحات منكوبة بهما، ولا فرق بين القُرب والبُعد.
خرّبت الولايات المتحدة الخرائط وتوازناتها، وكذلك فعلت الجمهورية الإسلامية، وانحشرت بينهما عواصم الاعتدال، فضلا على دولٍ تفتقد رفاهية الاختيار أصلاً. وإذ يتصادمان؛ فإنهما يُكرّران لعبة التلمّظ على المحيط، والقضم من لحمه الحىّ.
أُبيدت غزّة لاستدراج الملالى، أو فتح الطريق إلى معاقلهم. ولبنان يئن وما زال فى العاصفة، والشام خُرِّب ثم وُضِع على منحدرٍ بلا قرار. وعندما ذهب الغُزاة إلى الهضبة الفارسية؛ ارتدت القذائف على الجيران. يهبط على الخليج، ثمانية أضعاف ما يصل إسرائيل.
انقلبت المنطقة رأسا على عقب، والمخاطر تطوق الجميع من كل ناحية. تهتز الأفئدة والأسواق، وتتعطل مصالح الناس ومعاشهم، ويكاد طرفا الصراع أن يكونا الأقل تضرّرًا؛ بالقياس لآخرين لا ناقة لهم ولا جمل.
وأسوأ ما فى الأمر؛ أنه لا يُعرَف على أى جانب قد تنام الجغرافيا المُلتهبة. تجارة فى الغموض، واستثمار للمخاوف، وعضّ أصابع تتولّد عنه رغبة محمومة لإرهاق الجميع.
لا من واشنطن ولا طهران، يمكن أن يتوصّل المرء لمعلومة حاسمة، أو يستقرئ مشهدا من سيناريو الأحداث، بما يتجاوز اللحظة الراهنة، ويَشى بأى منطق فى إدارة الطرفين للمواجهة.
دُمِّر البرنامج النووى فى يونيو، على ما قال ترامب وقتها؛ لكنه عاد مُجدّدًا لتدمير المُدمَّر بعد ثمانية أشهر.
وأُزيح خامنئى عن سدّة المُرشدية بعد قرابة أربعة عقود؛ ولكن أبت إيران إلا أن تُعيد استنساخه على وجه أردأ، وأكثر خفّة.
تبدو المباراة مُتكافئة؛ إنما من جهة الجنون فحسب.
ألمح سيد البيت الأبيض إلى قُرب الانتهاء من المهمّة. يسبقون الجدول الزمنى، وأوشكوا على إنجاز المطلوب، ما يعنى أن الحرب أمدها قصير. فيما الولى الفقيه لم يختبر مقعده بعد، وما تحدث ولا بيّن كرامة.
ركب راعى البقر رأسه فجزّ رقبة المُرشد الأعلى، وعصر نسّاج السجّاد على نفسه بستان ليمون فأحلّ الابن بدلاً من الأب.
الثورة تعود إلى الخلف، نحو الشاهنشاهيّة، وتستدعى من سيرة آل بهلوى، أسوأ ما كانت تنبذه فيهم، وخرجت لأجله على سلطتهم قبل نصف القرن.
تتسع جغرافيا فارس لأعراق شتّى، وتناقضات بتعدادها. وكذلك الشيعية تتسع للشىء وضدّه معًا. التقية تُجيز الكذب والمُداراة، الولاية تحتمل التوريث وانتقال الراية بالرحم أو العصب، وبين كربلائية الحسين وطقوس البكاء عليه وشائج لا تنقطع.
سقطت الجمهورية فى امتحان الديمقراطية الشكلانية؛ لكن الأئمة تناسلوا من ظهور بعضهم لا من صناديق الانتخابات.
سبط الرسول كان بطلاً تراجيديا، وفق نظريات الدراما، سار لحتفه عن معرفة وإيمان، والذين سلّموه لسيوف الأمويين يبكونه منذ ألف سنة، ويجلدون ذواتهم ويُقطّعون جلودهم فى كل ذكرى.
الابن مُجتبى ليس الأفضل، وكان محلّ اعتراض واسع فى الداخل. فُرِض ببنادق الحرس، وقوّة المصالح، ورغبة المُكايدة باسم العائلة. وهواه مع جبهة "بايدارى" يُرجّح التصعيد؛ غير أن رد الفعل الاصطناعى من الأمريكيين على صعوده، ربما يشى بتوافقات فى الكواليس.
الحمائم لا يمكنها تقديم التنازلات فى سياق انكسار؛ لأنها عُرضة للرفض والمزايدة فى الأحوال العادية أصلاً. أفضل الخيارات الاضطرارية تحتاج للمرور تحت أجنحة الصقور، وصخبها، وريشها المنفوش زهوًا أو ادّعاء.
كان ترامب متشدّدًا تجاه الوريث المحتمل، بأكثر من تلقّيه لخبر تنصيبه لاحقا. الأيام المُقبلة ستفرز ركام المواقف وتُجلى غوامضها، بمقدار زاوية الحركة ومداها تجاه المُرشد الجديد، وهل يُقتَل، أم يُقبَل بصمت، دون مساس به، أو مُجرد المحاولة.
مستوى الانكشاف يقطع بإمكانية الوصول، ومهما كان حجم التغيير والاستبدال؛ فلن تُسَدّ الثغرات فى أيام.
واشنطن تُمهّد للنزول عن الشجرة، وإعلان النصر على جثة الأب، ودفن الباليستى. إسرائيل تُسرع الخُطى؛ لتوقّعها أن القرار يُوشك أن ينفجر فى وجهها.
الحرب كانت لتهيئة البيئة الفارسية لمُستقبلها المحتوم، وتخليصها من رواسب الخبرة، وحذر الشيوخ من جيل الثورة.
بلد كبير لن يسقط بدفعة واحدة، ولا رغبة فى إسقاطه فجأة ومن الخارج. أما الداخل فينقصه افتقاد الحكمة واتّصال الغضب.
يبدو أن الإرادة الأمريكية اختارت مُجتبى؛ فيما يتوهم داعموه أنه آية الله فعلا، وآية الشوكة والنكاية وإغاظة الأعداء.