لا تبكي.. إنما أبكي، ذلك البكاء الصامت، الذي لا يراه أحد، لأن المعاني تتلاشى من أمام عيني، والأشياء الجميلة تتضائل، وأنا أهوي في براثن الضياع، تتقاذفني من حفرة لأخرى، بثقل موجع، إنما أبكي لأن الأشياء، ليست كما ينبغي أن تكون، فالشمس تدور، في فلكها المعهود كل يوم، لكن نورها يتآكل من القلوب، لتذوب طبقات من الرحمة، تتحول إلى ظلمات، تريم فوقها سحائب، فتزيد من وطأت الخوف والنسيان، إنما أبكي الوحدة، التي تجردني في عيون الأخرين من العقل، إنها دمعات تذرفها العيون، لتنسل في الأكباد، تغرز الألم في الضلوع، تنبت الشقاء شجرة عظيمة، جذورها تشق في الضلوع كهفا عميقا، تزلزل وينهار كل معنى، أنا لا أبكي لأني أريد البكاء، ولكن البكاء يريدني، يجابهني بسلاحه القديم، فيطعن كل صروح القيم بداخلي، فالعالم يضيق بي، لأني أريد، لأنني شريد، أعانق الحقيقة، وكلما صرحت بها أنالوني من سياطها فوق ظهري المكشوف، وقلبي الملهوف، وصمتي المجروح... كالقمر حين تحجبه عن الدنيا في الليالي الممطرة... سحائب الظلام... أنا غير قادر على البقاء، لا لأنني ضعيف... لكن لأنني أعف... أركب متن السفينة البيضاء، أجوب على الشواطيء البكر، وأمد أناملي للعذارى... كي لا تضيع أحلامهن صرعى من مكائد الزمن... من المحن... ورائحة العفن تفسد الهواء... فتعتاد الأنوف تنفس العطن... لأني أريد عالما نقي، بلا قيود، تسجن الأرواح، تبيح أعتقال الأبرياء.. لتجعلهم وقود تقدمهم للمذابح عبرة للعصاة، إرضاءً للبغاة... الذين تحميهم يد الجبروت وأيدي الطغاة... إنما أبكي أنني أريد عالما تشرق فيه الشمس عند المساء في القلوب، كي تنير... كي تقوم مقامها المستنير في السنوات العجاف... عالم يخلو من الوهن، أنا لا أبكي طواعيةً، لأن البكاء يحرق الأكباد... ويقيم الحداد.... وسرقات العزاء في كل بيت تتلقى النداء... أنا لا أبكي بإرادتي، فالبكاء يفلق الرؤوس... ويحني النفوس... أمام الذين يركعون... يسجدون للعتاة... لأنهم أموات لأنهم أصنام... غمام شارد العيون.... يحجب الضوء وينهال بوابل من الأحزان على رؤس الأشقياء... دعني بكاء الثكالى واليتامى، فالبكاء كل ما أستطيع، أن تجري الدموع.... تسقي أرض الضياع... لينبت المستحيل، عله يوما ينقذنا من مخالب الجبروت، وأنياب الطغاة، إنهم يحرق الحدائق، وتذبل على أيديهم البساتين، ويخرب وتحطم ما تبقى من فتات، يعيش عليها الأطفال في القرى البعيدة، التي لم يطالها سوط العذاب، إنني أبكي لأن الدمع ما أستطيع أن أنزف، أخر ما بيدي من سلاح ضعيف، أبكي كي أستريح على أكف الضراع.