محمود عبد الراضى

فتح مكة.. فن التسامح

الثلاثاء، 10 مارس 2026 10:18 ص


في مثل هذه الأيام، تطل علينا ذكرى فتح مكة، لا كمعركة حُسمت بحد السنان، بل كملحمة سُطرت بمداد السماحة والغفران.

هو اليوم الذي انحنت فيه رؤوس الجبابرة أمام تواضع النبوة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة مطأطئ الرأس شاكراً، لا مختالاً فخوراً، ليعلم البشرية أن القوة الحقيقية لا تكمن في البطش، بل في القدرة على لجم غريزة الانتقام في لحظة التمكن.

في ذلك المشهد المهيب، وقف الخصوم الذين بالأمس أخرجوا وعذبوا وحاربوا، ينتظرون حكماً بالقصاص، فجاءهم الرد الذي زلزل أركان الكراهية وفتح مغاليق القلوب: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

بكلمة واحدة، تحول الأعداء إلى أحباء، وانتقلت مكة من ضيق الجاهلية إلى سعة الإسلام، ليرسخ المصطفى قاعدة ذهبية مفادها أن العفو هو الذي يصنع الفتح المستدام، وأن كسر النفوس بالإحسان أبقى أثراً من كسر الأبدان بالانتقام.

إننا اليوم، في مسيس الحاجة لاستلهام تلك الروح في تعاملاتنا اليومية؛ فالتسامح ليس ضعفاً، بل هو "ترفع" عن صغائر الأذى، وتغافل ذكي عن هفوات الغير.

نتعلم من فتح مكة أن الصبر على الأذى هو مقدمة "الفتح القريب"، فكما صبر المسلمون سنوات العجاف في شعب أبي طالب، جاءهم النصر المؤزر في بطحاء مكة.

فلكل من أرهقه ظلم أو نالت منه وشاية، تذكر أن دوام الحال من المحال، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، شريطة أن تظل القلوب نقية من غل الحقد.

التسامح هو أن تحرر نفسك من سجن الكراهية قبل أن تحرر الطرف الآخر من وطأة ذنبه، فليكن شعارنا "التغافل الجميل"، ولندرك أن من أراد نصراً كفتح مكة في حياته الخاصة، عليه أن يمتلك قلباً يتسع للجميع، ولساناً لا ينطق إلا بالصفح، ويقيناً بأن بعد كل تعب نصراً، وبعد كل صبر فتحاً مبيناً يفتح الله به آفاقاً لم تكن في الحسبان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة