حازم حسين

صورة المرشد وظل الشاه

الثلاثاء، 10 مارس 2026 02:00 م


ابتسامة على وجه القتيل قد تسلب القاتل فرحته. الانتصارات تظل ناقصة، ولو فى إشباعها النفسى، ما لم يعترف بها المهزوم، ودائمًا هناك أسوأ ممّا يتخيله أشد الناس تشاؤما.

حل مُجتبى بديلاً عن والده المقتول بعد نحو أسبوع واحد. ملأت إيران فراغ الإرشاد سريعًا، لكنها مُكبّلة بالحرب من كل ناحية، كما عليها ثأر المرشد الراحل، وحماية الوافد الجديد.

والاختيار عنوانه التحدّى، ذلك أنه يُبقى اسم «خامنئى» فى الواجهة، يُعظّم رصيد الصقور وحاكمية حرس الثورة، ويبصق على وجه الشيطان الأكبر، لا سيما أنه رفض الوريث بتحديد دقيق، وليس على سبيل التقريب أو التلميح.

يُقال إن الابن سرّ أبيه، وربما يده اليُمنى، بديلاً عن الأصلية التى شُلّت فى محاولة اغتيال قبل أكثر من أربعة عقود. فضلا على أنه كان خازن أسراره، وأمواله أيضًا، والقيّم على امبراطورية اقتصادية تتوزّع فى أرجاء العالم، ولا تغيب عنها الشمس.

بعيدًا من البزنس والثروة، والرجعية، لا وجه للشبه، وقد لا يصح القول «هذا الشبل من ذاك الأسد». درجة علمية أقل، وسيرة مهنية شبه فارغة، وانتماء لمرجعية غير الوالد، الذى تُجلّه العائلة كلها، وينتمى ولده لسواه.

خامنئى الأب قاوم قبل الثورة، وتشارك جُرمها منذ البداية. اختبر القهر مسجونا وسجّانا، وعرفه على الوجهين. وتدرج فى كنف الخمينى: نائبا لوزير الدفاع، فممثلا للمرشد فى مجلس الدفاع، فرئيسا ثالثا للجمهورية ثم مرشدا ثانيا.

مُجتبى تطوع فى الحرس شهورا أواخر الحرب العراقية، ثم انخرط طالبا فى الحوزة على كِبَر/ بعد الثلاثين، ودرّس لاحقًا، ولا شىء إلى ذلك إلا الفساد والصفقات المشبوهة.

قُدوته مصباح يزدى، المتشدّد للغاية وقائد جبهة بايدارى. وخلاصة أفكاره أن الولاية من السماء لا الأرض، والديمقراطية حِليَة للعمامة، ما يعنى أن الشعب زائد عن حاجة السلطة. لا رأى ولا شراكة، بل استتباع وإذعان.

لم يهبط الخليفة من السماء بمظلّة. يعيش فى أروقة النظام، وكانت خلافته مطروحة على التداول طوال السنوات الأخيرة، ومحل جدل واختلاف أيضًا. فلعلّه الرابح الوحيد من الحرب حتى الآن.

فرضه الحرس الثورى على الجميع بالسلاح. طوّع الرافضين والطامحين فى مجلس الخبراء، وروّض بقية الأبنية المُعقدة ضمن هيكل الجمهورية الهجينة، وسوّق صورة «الولى الجديد» باعتباره مدعوًّا لا راغبًا، وقد كان يرفض، واضطر للرضوخ نزولاً على رأى الجماعة.

اختيار مُراوغ، ويبدو فيه الجنرالات كأنهم يخلعون الخوذات ويعتمرون العمائم. يُغيّرون طبيعة البلد وحمضه النووى، ويضعون الثورة الإسلامية على مُفتتح طريق جديد، لن تعود بعده كما كانت، ولن يستقيم المعوّج من أحوالها أيضا.

النزعة الفارسية غراء الحُكم فى إيران على تنوّعه، وانتقالة الثورة كانت من الأوتوقراطية إلى الثيوقراطية، أما اليوم فيمتزجان معًا، وثالثتهما العسكرية المُشوّهة بالمَلشنة والأصولية.

مجتبى شريك لفاعلين فى عُمق المنظومة، وواجهة لغيرهم، وامتداد لأبيه. الاختيار ينطوى على شىء من الاستعراض، ويتطلّع إلى نصر معنوىّ غير مُكلّف، كما يُحتَمَل أن يكون طُعمًا أو قربانا.

كان ضروريا أن تُعاد تعبئة سلسلة القيادة سريعًا، إنما مع تحويل الخطوة إلى أداة احتواء، أو مساحة لتقريب الرؤى وتوسعة نافذة السياسة. وفى أسوأ الأحوال، أن يخفى الصقور صقوريّتهم تحت طبقة حمائمية ناعمة.

والقصد، أن يقع الاختيار على إصلاحى، أو وسط بين التيارين، أو أن تُخفَى هوية المُرشد مؤقّتًا، لتجنيبه مصير سلفه. الاستعجال، والتصريح بالاسم، يحملان إشارة تصعيد وهشاشة فى آن واحد، فضلا على احتمال إغراء الصيادين بصيدٍ ثمين.

الجديد أكثر تطرفا. والقديم زادته الشيخوخة وهَنًا ورخاوة. له فتوى تُحرّم السلاح النووى، ورعى حوارات ومفاوضات شتّى، ولطالما تحدّث عن الصبر الاستراتيجى. ولن يأتى الوريث على أى من كل هذا.

يُختَبَر ترامب بأسوأ الصور، وكذلك نتنياهو وعصابته، وقد هدّد وزير دفاعه باغتيال أى بديل يحمل الأفكار نفسها، فجاء من يحمل الشكل والمضمون والجينات.
كان البلد مريضا، فازداد مرضًا. الظاهر دستورى، والجوهر عائلى أوليجاركى.

جاء مُجتبى للدعاية وحماية المصالح، وتجنيبه أعباء الاختراق العميق يتطلب الاستئصال وإعادة تهيئة البيئة بالكامل، وهذا دونه وقت وجهد وإمكانات غائبة أصلا، ولو توافرت ما انتُهِكَت.

القتل على الباب، والصفقات تحت الطاولة. قضت إسرائيل على أمينين لحزب الله فى أسبوع واحد، والمشهد مُرشح للتكرار فى طهران. كأننا إزاء بطل تراجيدى فى رمزية حسينية.

هل يقبل سيد البيت الأبيض التحدّى؟ وهل يرضخ الصقر الناشئ بعيدًا عن أعين الكاميرات؟ كل الاحتمالات واردة، غير أن النظام لا يبدو أنه استوعب مأساته الراهنة بعد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة