محمد مرعى

الميليشيا ليست دولة: دروس الشرق الأوسط القاسية

الثلاثاء، 10 مارس 2026 10:00 م


عادة ما تنتج الأزمات الإقليمية الكبرى بيئة خصبة لإعادة تدوير بعض الأفكار السياسية التي تتجاهل دروس التجربة العملية. وفي سياق التحولات التي شهدتها المنطقة العربية والشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وما انتهت إليه في مارس 2026 من مواجهة عسكرية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، عاد الجدل حول دور الفواعل المسلحة من غير الدول وحدود تأثيرها في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.


تسللت إلى بعض العقول العربية على مدى عقود، فكرة خطيرة مفادها أن الميليشيات والفواعل المسلحة خارج إطار الدولة تمثل “خط دفاع” أو “مخزونًا استراتيجيًا” يحمي الأمن القومي العربي ويصون التوازن الإقليمي. غير أن التجربة العملية خلال العقود الثلاثة الماضية تكشف حقيقة مغايرة تمامًا: فحين تُستبدل الدولة بالميليشيا، والسيادة بالشعارات، يتحول ما يُظن أنه قوة ردع إلى ثغرة يتم النفاذ منها، وما يروج له باعتباره مقاومة إلى أداة تفكيك وتهديد حقيقي لحياة ومقدرات وشعوب.


لقد أثبت الواقع أن صعود الفواعل من غير الدول في المنطقة المدعومة إيرانيا لم يكن عامل قوة للدول العربية، بل كان مدخلًا لإضعافها. فحين تتراجع سلطة الدولة لصالح كيانات مسلحة موازية، يتآكل احتكارها المشروع لاستخدام القوة، وتدخل البلاد في ازدواجية القرار السياسي والعسكري، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الإقليمية والدولية. النتيجة لم تكن تعزيز الجبهة الداخلية، بل تفكيكها؛ ولم تكن حماية الأمن القومي، بل إعادة صياغته وفق حسابات قوى خارجية.

إن التعامل مع الميليشيات المسلحة والمرتزقة بوصفهم “أصول استراتيجية” كما فعلت إيران ودول وقوى أخرى إقليمية ودولية، يصطدم مع أحد المبادئ الأساسية في بناء الدولة الحديثة، وهو احتكار السلطة الشرعية لاستخدام القوة، باعتباره الشرط الضروري لتحقيق الاستقرار والأمن المستدام.


لا يمكن لكيان مسلح خارج منظومة الشرعية أن يكون ضمانة لأمن دولة أخرى، لأن منطق وجوده ذاته يقوم على تقويض فكرة الاحتكار السيادي لأدوات القوة. وحين تتعدد مراكز القوة داخل الدولة الواحدة، تتعدد معها الولاءات والأجندات، ويصبح الداخل ساحة مفتوحة للصراع بالوكالة لصالح قوى وأطراف خارجية.


البعض يذهب إلى أن هذه الكيانات والميليشيات، بحكم عدائها المعلن والوهمي في ذات الوقت لإسرائيل، تمثل عمقا استراتيجيا للدول العربية. غير أن هذا الطرح يتجاهل سؤالًا بديهيا: ماذا كانت حصيلة هذا المسار بعد سنوات طويلة؟ هل ازدادت الدول المعنية قوة وتماسك، أم دخلت في دوامات انقسام وصراعات داخلية أضعفت مؤسساتها وقلّصت قدرتها على اتخاذ قرار وطني مستقل؟ الشعارات الكبرى لا تغني عن حقيقة أن الدولة حين تضعف، يصبح أمنها وأمن جوارها أكثر هشاشة.


في المقابل، تبقى الدولة الوطنية بمؤسساتها الشرعية واحتكارها لاستخدام القوة  هي الضامن الحقيقي للاستقرار. هذا ليس تنظيرا، بل خلاصة ما يشهده الشرق الأوسط من أحداث وتفاعلات خلال العقدين الماضيين، والذي انتهى بإضعاف وإفشال أربع دول عربية "سوريا والعراق ولبنان واليمن".


الدولة التي تحتكر قرار السلم والحرب، وتدير مواردها عبر مؤسسات خاضعة للمساءلة، هي وحدها القادرة على بناء تحالفات مستقرة وحماية حدودها وصون أمنها القومي.


من هذا المنطلق، يمكن فهم ثبات الموقف المصري في دعم الدولة الوطنية العربية، لا الكيانات الموازية لها. السياسة المصرية، عبر عقود، قامت على مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة مؤسساتها، والتعامل مع أي قنوات تواصل في إطار إدارة الأزمات لا تبنّي مشاريع خارج إطار الشرعية. مصر لا ترى في الميليشيات بديلًا عن الدولة، بل تعتبر استعادة الدولة لوحدتها وسلطتها الكاملة هو المدخل الحقيقي لأي استقرار إقليمي.


في لبنان على سبيل المثال، من السذاجة الادعاء أن مصر الدولة أقرب لحرب الله من الدولة اللبنانية. فمصر كانت وستزال داعمة وبقوة لسيادة لبنان الدولة واحتكارها القرار وقوة السلاح. لكن الفارق بين سياسة مصر والآخرين في هذا الملف، أن صانع القرار المصري يسعى لتحقيق ذلك عبر الحوار والدبلوماسية، لأن فرض وتحقيق هذا الهدف بالقوة لن يسفر إلا عن اقتتال وحرب أهلية داخلية تضعف وتنهي على ما تبقى من لبنان.


الرهان من البعض على كيانات مسلحة عابرة للحدود باعتبارها رصيدًا استراتيجيًا، أثبتت الوقائع ودروس الشرق الأوسط القاسية أنه رهان مكلف. فحين تُستثمر موارد الدول في بناء أذرع مسلحة خارج مؤسساتها، تكون النتيجة إضعافًا متدرجًا لبنيتها، وتوريطها في صراعات ممتدة، وتحويل أراضيها إلى ساحات نفوذ متنازع عليها. وفي النهاية، تدفع الشعوب ثمن هذه السياسات من استقرارها وتنميتها ووحدتها الوطنية.


الواقعية تقتضي أن نسمي الأشياء بأسمائها: الميليشيا ليست دولة، ولا يمكن أن تكون بديلًا عنها. والدولة الوطنية، رغم كل ما يعتريها من تحديات ومخاطر، تظل الإطار الوحيد القابل للإصلاح والتطوير. أما الفواعل المسلحة خارجها، فوجودها في حد ذاته مؤشر على خلل يجب معالجته.


في النهاية، لا تقدم تجارب الشرق الأوسط خلال العقود الماضية سوى درس واضح: الدولة حين تضعف، تملأ الميليشيات الفراغ، لكن الثمن يكون دائمًا تفكيك المجتمعات وإضعاف السيادة وتحويل الأوطان إلى ساحات صراع بالوكالة. الأمن القومي لا يُبنى على تعدد مراكز القوة، ولا على ازدواجية السلاح، بل على دولة وطنية متماسكة تحتكر قرار الحرب والسلام وتمتلك مؤسسات قوية وشرعية. وفي إقليم يعاد تشكيله على وقع صراعات كبرى، يصبح التمسك بفكرة الدولة الوطنية ليس خيار سياسي فقط، بل شرط أساسي لبقاء الدول واستقرارها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة