سامح خضر

الثامن والعشرون من فنتوز: لدونالد ترامب

الثلاثاء، 10 مارس 2026 02:12 ص


في افتتاحية كتابه الشهير "الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت"، أورد الفيلسوف الألماني كارل ماركس عبارته الشهيرة: "التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ في الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة". أراد ماركس الإشارة إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى والشخصيات العظيمة تظهر في عالمنا مرتين؛ المرة الأولى في سياق تراجيدي مؤثر، وكنسخة أقل شأناً وأكثر هزلية من الحدث الأصلي في المرة الثانية. وقد أراد ماركس من كتابه آنذاك تسليط الضوء على تجربتين سياسيتين: تجربة نابليون بونابرت، ونجل شقيقه لويس بونابرت، مبيناً كيف سمحت الصراعات الطبقية والظروف الاجتماعية بظهور حاكم يعيد تمثيل تجربة سابقة، ولكن بشكل يفتقر للعظمة ويغرق في التناقض الصارخ مع التجربة الأولى.

و"برومير" هو الشهر الثاني في التقويم الثوري الذي اعتمد بعد الثورة الفرنسية، ويصف الضباب الكثيف الذي يسود فرنسا في ذلك الوقت من العام. يمتد هذا الشهر وفق التقويم الميلادي من 22 أكتوبر إلى 20 نوفمبر. واليوم الثامن عشر منه هو التاريخ الذي قام فيه نابليون بونابرت بانقلابه الشهير عام 1799. أما شهر "فنتوز"، فيمتد من 19 فبراير إلى 20 مارس، ويشير إلى الرياح العاتية التي تشهدها فرنسا في تلك الفترة.
كان لا بد من توضيح هذا السياق لتفسير رمزية تاريخ "الثامن والعشرين من فنتوز"؛ وهو اليوم الذي شهد شن الحرب الصهيو-أمريكية على إيران، وجر المنطقة برمتها إلى مغامرة عسكرية واقتصادية تهدد مستقبلها واستقرارها على المدى البعيد. بالطبع، تتباين دوافع كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في هذه المقامرة الغير محسوبة؛ فالأول لا يشغله سوى بقائه السياسي، حتى وإن كان ذلك على حساب الأمن الإقليمي وإسرائيل ذاتها. فقد أجمعت استطلاعات الرأي التي أجريت قبيل الحرب الجارية على تآكل واضح في شعبية نتنياهو وائتلافه اليميني الحاكم، بشكل يستحيل معه تشكيل حكومة برئاسته دون استجداء خصومه السياسيين: ليبرمان، وبينيت، ولابيد، والكتلة العربية التي طالما شيطنها الإعلام اليميني الموالي له.
وفي المقابل، يجسد دونالد ترامب تراجيديا الملك هنري الثامن في أكثر صورها هزلية؛ فكما فصل هنري الثامن إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية –المؤسسة الأبرز في عصره– لينشئ كنيسته الخاصة، ما يعتبره البعض أول بريكست في التاريخ الإنجليزي، أقدم ترامب في ولايته الأولى على الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني. وفي ولايته الثانية، سعى لتطهير الإسطبلات الأمريكية مما يسميه "الدولة العميقة"، عبر خلق مسارات موازية مثل "مجلس السلام العالمي" بديلًا عن الأمم المتحدة، وإصدار مراسيم رئاسية لتجاوز معضلة الكونغرس المنتخب، واختيار مدعية عامة مثل "بام بوندي" لتسييس مفهوم العدالة وتحويلها من عدالة ناجزة إلى عدالة انتقائية تحاسب "الأغيار" لا الموالين؛ وهو ما يفسر حجب بوندي مئات الآلاف من الوثائق من ملفات ابستين التي تتضمن أسماء شخصيات قد يكون ترامب نفسه من بينها.
ولا تقف حدود التشابه بين الرجلين عند هذا الحد؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن هنري الثامن وضع "الولاء الشخصي" فوق كل اعتبار، فتخلص من صديقه المقرب وأبرز مستشاريه توماس مور، ومن توماس كرومويل مهندس الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، لمجرد التشكيك في ولائهما. وفي السياق ذاته، تطول قائمة إقالات ترامب في ولايتيه؛ بدءاً بوزير دفاعه جيمس ماتيس الذي اتهمه بأنه "ديمقراطي متخف" إثر خلافهما حول الانسحاب من سوريا، وجون بولتون مستشار الأمن القومي الذي عارض نهجه في أفغانستان فاتهمه ترامب بإشعال الحروب، وريكس تيلرسون الذي اكتفى بإقالته عبر تغريدة على منصة "إكس"، ووصولاً إلى جيف سيشنز وزير العدل الذي لم يغفر له ترامب تنحيه عن ملف التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات، فلم يعدم فرصة لإهانة الرجل علانية.
كشف قرار الحرب الأمريكية الأخير على إيران، وما سبقه من قرارات، عن خلل بنيوي عميق في فهم دونالد ترامب لماهية منصب الرئيس؛ إذ حوّله من موظف عام انتخب ليدير شؤون الدولة إلى مالك لها. فمن خلال استراتيجية تهدف إلى تقويض استقلالية أجهزة الدولة، سعى ترامب لتحويلها من كيانات مؤسسية وظيفتها مساعدة الرئيس ضمن أطر قانونية ووظيفية محددة، إلى ممتلكات خاصة غايتها تنفيذ إرادة الحاكم لا خدمة الدولة. وهذا ما يفسر حالة الارتباك التي تعصف بالإدارات الرئيسية، والتضارب الصارخ في التصريحات بين ما يعلنه ترامب وما تعتمده المؤسسات الرسمية. فالمبعوثون للملفات الشائكة ليسوا من الوزارات المعنية، ولا من ذوي الخبرة. هم مجرد سماسرة صفقات هدفهم تنفيذ رغبة الرئيس لا مصلحة الدولة، ويتعاملون مع قضايا استراتيجية كبرى على أنها صفقات تجارية متعثرة.
تتقاطع رؤية ترامب مع نهج لويس بونابرت –النسخة الهزلية من نابليون بونابرت– فكلاهما وجد في البرلمان والمؤسسات عائقاً أمام طموحاته، فعمد الرجلان إلى تحويل الجيش والمؤسسات السيادية إلى أدوات تنفيذية مسلوبة الإرادة. وكلاهما طوّع وزارة العدل، فحولها من حكم بين الدولة والمواطن إلى درع لحماية شخص الرئيس وتصفية خصومه؛ فقد فضح استجواب المدعية العامة بام بوندي أمام الكونغرس الكثير من أجندتها المحصورة في شخص الرئيس.


يتشابه ترامب مع بونابرت أيضاً في قدرته على تحويل الأمن الداخلي من أداة إنفاذ للقانون إلى وسيلة للضبط الاجتماعي القسري الذي يتماشى مع أهواء الرئيس وتطلعاته. بمعنى آخر، يخوض ترامب الآن عملية تأميم الدولة لصالح الفرد، واستخدام أدوات الديمقراطية مثل الانتخابات، والإعلام الحر، والحريات لخنق روح الديمقراطية بالقضاء على استقلالية المؤسسات.


هذا المزيج من اللغة المنفلتة، والإهانات العلنية، والتلاعب بالأسواق المالية، وتعيين الموالين، وإقصاء الكفاءات والمتخصصين، والإقالات العبثية، ومعاداة النخب الفكرية، واستقطاب الفاسدين، والسحب من رصيد الدولة لصالح الشخص، والكذب الصريح، واستعراض إنجازات وهمية –مثل ادعاء إنهاء تسع حروب– والابتزاز السياسي، وتخطي القوانين، والإفلات من العقاب، وتقنين التجاوزات.. كل هذا ألهم بنيامين نتنياهو؛ فافتتح جلسة الحكومة بعد إحدى زياراته للولايات المتحدة، بالإشادة بتجربة ترامب في الحكم، وكيف أن الرجل عكف على 'تطهير الأسطبلات' من بقايا الدولة العميقة.. ليقرر حينها استنساخ التجربة ذاتها في إسرائيل؛ فلربما يحدث هذا بين الثامن عشر من برومير، والثامن والعشرين من فنتوز.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة