نجلاء الملاح تكتب: الشاعر يسرى زكى صوت ترك أثرا بقصائده

الثلاثاء، 10 مارس 2026 05:00 م
نجلاء الملاح تكتب: الشاعر يسرى زكى صوت ترك أثرا بقصائده الكاتبة نجلاء الملاح

في عالم الشعر هناك أصوات تمرّ سريعًا، وأخرى تترك أثرًا لا يمحوه الزمن، ومن بين هذه الأصوات المميزة يبرز اسم الشاعر الدكتور يسري زكي، الذى استطاع أن يجعل من الكلمة مرآةً صادقةً للمشاعر الإنسانية.

جمع بين بساطة الروح وعمق التعبير؛ فخرج شعره نابضًا بالحياة، يعكس تجربة إنسانية صادقة عاشها، وكتبها بإحساسٍ حقيقي؛ فلم يكن الشعر بالنسبة له مجرد هواية عابرة، بل كان جزءًا أصيلًا من تكوينه، وزوجته وحبها رفيقا دائمًا لمسيرته منذ سنواته الأولى، وحتى آخر ما كتب من كلماتٍ بقيت شاهدة على موهبته.

الشاعر يسرى زكى
الشاعر يسرى زكى

في المشهد الشعري الذي تزدحم فيه الأصوات، يطلّ الشاعر، الدكتور "يسري زكي"، الذى تمر ذكرى رحيله اليوم، بصوتٍ مختلف، صوتٍ خرج من قلب البيت المصري محمّلًا بذاكرة الأرض، وحكايات الناس البسطاء، ليحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى قصائد دافئة تنبض بالحنين والإنسانية، وفي هذا الحوار نحاول الاقتراب من تجربته قليلًا بمقدارٍ لا يذكر من مشواره ككل.

هنا التعرّف إلى رحلته مع الشعر، والحياة النابضة بالحب الذي يصلنا للتو منه لشريكته، وأولاده، وكيف تحوّلت ذاكرة محبته، والبحث الروحي، الذي بدأه بمطلع حياته مع زوجة عمرهِ، إلى نبعٍ أساسي في عالمه الشعري.

هو شاعرٌ يكتب بمحبةٍ صافية، كأن قلبه بيتٌ طيبٌ واسعٌ، أبوابه مفتوحة للناس، والحكايات، والوجوه القديمة التي بدأ حياته معها، يحمل في كل كلماته دفء الأرض وحنان لا يبلى، ويمنح الأشياء البسيطة حياةً أخرى؛ فتغدو قصائده مثل يدٍ حانية تربّت على كتف العالم للآن، وتذكّره بأن الجمال ما زال ممكنًا، وأن القلب الذي يكتب بحبّ يستطيع أن يعيد للروح بعض نورها.

طبيب القلوب والشاعر "يسري زكي"؛ شاعرٌ طيب القلب، محمّل بالحب لكل ما حوله، يحمل قلبه الصافي لزوجته التي تقاسمه، وترافقه في رحلته الروحية، وولداه النبيلان، يحتضن بيته وذكرياته كما يحتضن الكلمات التي تخرج من روحه، فتتحوّل محبته للحياة والناس والطين والحقول إلى قصائد نابضة بالدفء والحنان، وصلت لنا كافة!

"يسري زكي"؛ شاعرٌ تكونت محطات ذاته في حضن الشعر، والطيبة، والجمال، داخليًا، وخارجيًا، فصار قلبه مرآة للحياة المحبّة، وروحه متنفسًا لكل ما يفيض دفئًا، وحنانًا في بيته، وزوجته، وأرضه… فالشعر عنده ليس مجرد كلمات، بل حياة تتجسّد في كل لمسة وكل إحساس تترسخ بأذهان من لم يعاشره حتى!

بدأت رحلة الدكتور يسري زكي، مع الشعر في مراحل عمره المبكرة، نشأ في بيئة هادئة في محافظة المنوفية، حيث تشكّلت ملامح روحه الأولى بين المحبة لحب عمره، والبيوت البدائية، وإيقاع الحياة البسيطة، في تلك المساحة المغمورة بالطبيعة، والإنسان، تشكّلت ذاكرته التي ستصبح لاحقًا منبعًا رئيسيًا لشعره!

بدأ كتابة الشعر في سنوات دراسته الثانوية، وازداد اقترابه من عالم الأدب خلال دراسته بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة، واتخذ منها سبل الفوز الوافر الجامح بالتتويج الشعري؛ حيث احتك بالحركة الثقافية، وشارك في الندوات الأدبية، مع عدد من الأصدقاء المهتمين بالشعر، والكتابة، ولم ينسَ حينها حب عمره، التي ظل مقاتلًا منذ نشأته.

تنقّل بين العمل في مجال الطب البيطري، والشركات الطبية، وخاض تجربة تأسيس مشروع خاص، سيحقق له الاستقرار، كانت تلك اللحظة من أكثر مراحل حياته صعوبة، لكنها فتحت أمامه باب التأمل العميق والبحث الروحي؛ فاقترب من عالم التصوف بدير "الآباء الدومنيكان" وقتما كان يبحث، ويقرأ بين الكتب، والفلاسفة الإسلاميين؛ حينها كانت إحداهن تتابع ذات الموضوع، ناهينا أن الفضل مردود لزوجته، وحبيبة عمره؛ حيث كانت في رحلة عميقة مع الفلسفة الإسلامية؛ لتنال درجة الدكتوراه، هنا قرأ في تراثه، وكتبه، مستعيدًا عبره توازنًا داخليًا بيَّن المحبة، والذاكرة، والمكان، عاد الشعر إليه من جديد بعد انقطاع امتد أكثر من عشرين عامًا.

ومنذ تلك العودة بدأ يكتب، وينشر قصائده، على منصات التواصل، وبدا بمجرد ظهوره مشاع عام عن الشعر الذي يقدم، والخواطر، والكتابات امتد هذا فترة، حتى أصدر ديوانه الأول "بيان حالة" عام 2018، ثم ديوانه الثاني "باعيش عجوز وباموت صبي" الأقرب لقلبي عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

هكذا تبدو تجربته الشعرية أشبه بعودة متأخرة، راسخة، وعميقة… عودة شاعر اكتشف أن القصيدة ليست مجرد كتابة؛ بل خلاصة حياة طويلة من التجربة والحنين والتأمل!

لم تكُ رحلة الإبداع دائمًا سهلة، فقد واجه الشاعر تحديًا كبيرًا تمثل في الانشغال عن الكتابة لفترة تجاوزت العقدين من الزمن! ورغم هذا الانقطاع الطويل، عاد إلى الشعر بشغفٍ أكبر؛ وكأن الكلمات كانت تنتظره ليعود إليها من جديد، ليكتب باندفاعٍ وإحساسٍ متجدد؛ مؤكدًا أن الشغف الحقيقي لا يموت مهما طال الغياب!

ما يميز تجربة الدكتور يسري زكي الشعرية، هو صدق التعبير الذي يظهر بوضوح في قصائده؛ لأنه يؤمن بأن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يولد من قلبٍ عاش التجربة بالفعل؛ لذلك جاءت كلماته مليئة بالشعور الصادق، بعيدًا عن التكلُّف أو المبالغة، فكانت قصائده قريبة من القارئ، تلامس إحساسه وتترك أثرًا عميقًا في داخله.

الكاتبة نجلاء الملاح
الكاتبة نجلاء الملاح

الشاعر يؤمن كامل الإيمان؛ بأن الشعر ابن عصره، وأن لكل جيل دوره في إعادة صياغة الثقافة، والإبداع بما يتناسب مع واقعه، كما يرى أن المواهب الشابة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، إذا وجدت البيئة الداعمة التي تشجعها على الاستمرار والتطور.

وفى 10 مارس من عام 2021، حدثت الفاجعة، ليرحل قرب صدور ديوانه "باعيش عجوز وبموت صبي"، تُراه عُنوانًا يحمل في طياته أثره الطيب، والتنبؤ الباكر، الثابت الزائل، المستمر بحضور ولداه، ريحانتاه كما ذَكر، وعلى غِرار البشرية؛ قلبًا شاطره الخطوات، منذ البداية هو لسيدة الهوانم، الأستاذة الجامعيةهـويدا أبو جبل، أشعر حيالها أنه كلما تمعنت برحيله؛ زاد حضوره بهاءً حولنا، كم أن المحبة فارق طويل الأمد.

يبقى الشاعر الحقيقي حاضرًا حتى بعد رحيله، لأن الكلمة الصادقة لا تموت وهكذا الدكتور يسري زكى، شاعرًا ذا بصمة واضحة في عالم الشعر، وكلمات ما زالت تحمل روحه وإحساسه، ورغم مرور السنوات على رحيله، فإن قصائده ما زالت قادرة على أن تفتح نوافذ الشعور في قلوب القراء، مؤكدة أن الإبداع الحقيقي لا يرتبط بزمانٍ أو مكان؛ بل ويبقى حيًا ما بقيت الكلمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة