ناهد صلاح تكتب: "صحاب الأرض".. ما لا تهدمه الجرافات تبنيه الذاكرة

الأحد، 01 مارس 2026 07:32 م
ناهد صلاح تكتب: "صحاب الأرض".. ما لا تهدمه الجرافات تبنيه الذاكرة ناهد صلاح

0:00 / 0:00

في واحد من أكثر مشاهد مسلسل "صحاب الأرض" تأثيرًا، وهو عملٌ مؤثرٌ في مجمله، مكتوبٌ بلغةٍ مشغولة بعناية، تتكئ على مفردات نابضة وأمثال حيّة وأغانٍ فلسطينية شديدة الخصوصية، تمنح الحكاية روحها، وتُحمّل كل مشهد بذاكرة المكان وصوته ووجعه، في المشهد الذي أعنيه، وقفت الطبيبة المصرية "سلمى" (منة شلبي) أمام اختبار أخلاقي وإنساني بالغ القسوة: معالجة مريضة إسرائيلية أسيرة، أدّتها بعمق اللبنانية دياموند أبو عبود.

المشهد لم يكن مجرد مواجهة بين طبيبة ومريضة، بل كان صدامًا بين الهوية والضمير، بين الألم الشخصي والواجب المهني.
المشهد مشحون بكل ما يمكن أن يثقل اللحظة: تاريخ من الألم، انحيازات، ذاكرة شخصية، وغضب مشروع. مع ذلك، لا تختار سلمى أن تكون امتدادًا للجرح، بل تكون امتدادًا للمهنة. حين تقول لها المريضة: "افتكرتِني عربية عشان هيك عالجتيني؟" يأتي رد الطبيبة مختصرًا، حاسمًا، مجردًا من أي خطابية: "أنا دكتورة".


الجملة لا تُقال بصوت عالٍ، ولا بإيماءة تحدٍ. منة شلبي تبني المشهد على إحساس داخلي في التعبير، نظرة ثابتة، نفس متزن، نبرة لا ترتجف. الأداء هنا ليس انفعالًا، بل سيطرة. إنها لا تدافع عن موقفها، لأنها لا تشعر بالحاجة إلى الدفاع. المهنة عندها ليست هوية طارئة، بل يقين راسخ. هذا ما يمنح المشهد ثقله: أن الإنسانية لا تُمارس باعتبارها فضلًا، بل باعتبارها واجبًا.


في المقابل، تقدّم دياموند أبو عبود شخصية مأزومة على مستويين: جسديًا كامرأة جريحة، وذهنيًا كامرأة تحمل تصورات مسبقة. ملامحها في لحظة الرد تكشف صدمة مضاعفة، لم تتوقع أن تُهزم أخلاقيًا. أداؤها يتدرج من الإعياء والخوف إلى الذهول، إلى ارتباك داخلي صامت. هنا لا ينتصر طرف على آخر سياسيًا، بل ينتصر مبدأ على فكرة. الطبيبة لا تعالج عدوًا، بل تعالج إنسانًا، وفي هذه المسافة تحديدًا يضع المسلسل تعريفه للعدالة.


العمل لا يكتفي بإبراز إنسانية الضحية، بل يغامر بطرح سؤال الضمير في المعسكر الآخر. شخصية الضابطة الإسرائيلية التي جسدتها الممثلة الماهرو "روان الغابة" تبدأ ببرود إداري صارم، آلة تنفيذ غاشمة وحقودة، تمارس دورها في القتل والإبادة بلا تردد. لكن حين تُحال إلى التحقيق تمهيدًا لمحاكمتها، ينكشف التشقق الداخلي. في الفيديو الذي تبثه للعالم، تتحدث عن ممارسات عنيفة طالت أطفالًا وكبار سن، نفذتها بأوامر من سلطتها التي استنفدت قدرتها على الحماية. المشهد لا يُبنى على بكاء هستيري، بل على انكسار متراكم. الصوت أهم من الدموع، والتوقفات بين الكلمات أثقل من الجمل نفسها. النهاية، حين تنهي حياتها، لا تُقدَّم بوصفها بطولة، بل بوصفها انهيارًا. الإحصائية التي يوردها المسلسل عن محاولات الانتحار بين الجنود — 279 محاولة بين يناير 2024 ويوليو 2025، وقرابة 45 حالة مكتملة — لا تأتي كرقم صادم فحسب، بل كإشارة إلى أن الحرب تترك ندوبها في الجميع. ليس تعاطفًا بقدر ما هو تأكيد على أن ماكينة العنف تطحن من يديرها كما تطحن ضحاياها.


ثم يأتي المشهد الثالث ليعيد الأرض إلى مركز الحكاية. ناصر ( إياد نصار)، يتوه عن عنوان، فيرشده العم إبراهيم ( كامل الباشا)، عن ظهر قلب. الجملة التي يقولها: "أنا حافظ البلد دي حجر حجر… والله لو هدّوها لرجع أبنيها" لا تبدو حوارًا عاديا، بل بيان انتماء. الأداء هنا قائم على البساطة. كامل الباشا لا يصرخ، بل يترك الكلمات تخرج مثقلة بتاريخ طويل من العيش في المكان. إياد نصار يختار الإصغاء، فيتحول الصمت إلى مساحة احترام، ثم تأت الابتسامة الداخلية التي تقفز من العيون تعبيرا عن امتنان وارتباط بأرضهم وجغرافيتهم وإنسانيتهم. المشهد لا يتحدث عن عنوان ضائع، بل عن ذاكرة لا تُمحى. عن علاقة لا تحتاج خرائط لأنها محفورة في الوجدان.


"صحاب الأرض"، بهذه المعاني لا يقدم خطابًا مباشرًا، بل يبني مواقفه من خلال لحظات اختبار. طبيبة مصرية تصرّ أن تكون مهنتها فوق الجراح، ضابطة إسرائيلية ينهار كيانها الضعيف في لحظة ، ورجل فلسطيني يحفظ أرضه كأنها جزء من جسده. بين هذه الخطوط الثلاثة، يرسم العمل خريطته الأخلاقية: الإنسانية ليست شعارًا يُرفع في أوقات السلم، بل موقف يُدفع ثمنه في أوقات النار. والفن، حين ينجح في تجسيد هذا التوتر دون ابتذال، يصبح شاهدًا على زمنه لا مجرد حكاية عنه. 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة