بيشوى رمزى

من الردع إلى الصمود.. إعادة تعريف "الحماية" في الصراعات المركبة

الأحد، 01 مارس 2026 01:03 م


الضربات الأمريكية الاسرائيلية الأخيرة على إيران رسمت طبقة جديدة من المخاطر التي تشهدها المنطقة خلال حوالي عقد ونصف من الزمان، في ضوء الانتقال بين دوائر متعددة من الصراع، سواء في صورته الأهلية إبان ما يسمى بـ"الربيع العربي"، مرورا بالحروب ضد الميليشيات، انطلاقا من داعش، في صورة التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، ثم امتد بعد ذلك نحو فصائل المقاومة، خلال حرب السابع من أكتوبر، لتتحول في احدث حلقاتها إلى حرب دولية، تتواجه فيها الجيوش، وهو ما يعكس تطورا مقلقا لحالة الصراع، في ظل ما تؤدي إليه كل مرحلة من توسع ملموس في دائرة الحرب.

والمفارقة أن الحلقة الأحدث في الصراع لا تتسم بمحدوديتها، فالمعركة ليست ثنائية بين جيشين متناحرين، أو حتى ثلاثية، ولكنها ممتدة لتشمل أطرافا أخرى ربما ليست منغمسه في الصراع بصورة مباشرة، وهو ما يبدو في الهجمات الأخيرة على دول الخليج، والتي وإن كانت تمثل استهدافا مباشرا لطرف أساسي في المعركة وهو القواعد الأمريكية، إلا أنها تعكس حقيقة مفادها انهيار أحد الأسس التي بنيت عليها تلك القواعد، حيث اعتمدت في الأساس على ضمان الحد الأقصى من الاستقرار للدول التي تتواجد على أراضيها، بحيث تصبح بمنأى عن أي مواجهة مباشرة، بينما يكون دورها هو تقديم الحماية المباشرة حال اندلاعها، على غرار حرب تحرير الكويت في التسعينات من القرن الماضي.

ولعل الحقيقة المجردة التي كشفتها المستجدات الأخيرة، أن القواعد العسكرية لم تعد ضمانا للحماية، فوجودها في ذاته أصبح تهديدا، حال اندلاع الصراع بين القوى القائمة عليها والأطراف الأخرى، في الوقت الذي باتت فيه عاجزة عن تقديم الحماية للأراضي التي تتواجد بها، في ظل معطيات عدة، أهمها تعدد الجبهات والأدوات التي تتراوح بين المسيرات والصواريخ والهجمات السيبرانية، وهي ادوات اختراق منخفضة التكلفة وذات تاثير واسع النطاق مما يحد القدرة على الردع، بالإضافة إلى أبعاد أخرى، منها أولويات الحماية لدى القوى الكبرى بين الحلفاء، فيما يمكننا تسميته بـ"الحماية الانتقائية"، وهو ما يبدو في الحالة الراهنة بين دول الخليج وإسرائيل، خاصة وان الأخيرة تعد طرفا أصيلا في المعركة.

المتغيرات سالفة الذكر، تتطلب بالتبعية تغيير، أو بالأحرى تحديث مفهوم الحماية، لدى الدول المضيفة، وهو ما لا يقتصر في واقع الأمر على منطقة الخليج، ولكن يمتد الى مناطق أخرى تعيش نفس المعاناة الناجمة عن التحول الجذري في البيئة الدولية، وعلى رأسها دول أوروبا الغربية، هو ما بدا منذ اندلاع الأزمة الاوكرانية في 2022، وربما قبل ذلك بسنوات قليلة مع إرهاصات التلويح الأمريكي بالتخلي عن المظلة الأمنية "الناتو"، ومقايضة أعضاءه بدفع مزيد من الأموال مقابل استمرارها، مما دفع الى دعوات صريحة الى بناء جيش أوروبي موحد.

وإذا كانت "الحماية" بمفهومها الكلاسيكي، تعتمد على مساري المنع، والذي يقوم على النأي بالدولة التي تحظى بالحماية من الانغماس في مستنقع المواجهة المباشرة، من جانب، والردع، والقائم على التدخل لحمايتها حال تعرضها لتهديد، فإن هذا المفهوم لم يعد فاعلا في ظل الصراعات المركبة التي يشهدها العالم، حيث بات في حاجة الى مسارات جديدة لتعزيزه، أولها تدعيم قدرة الدولة على تحصين نفسها، بينما يقوم الثاني على تحقيق التكامل الدفاعي، في حين يعتمد المسار الثالث على تعزيز قدرة الدولة على الصمود وهو ما يعني القيام بدورها حال انتقال المواجهة الى مجالها الحيوي.

والحديث عن الصمود، يحمل في طياته إطارا مؤسسيا، يرتبط في الاساس بقدرة الدولة على القيام بوظائفها الحيوية في أحلك لحظات الصراع، بدءً من أمن الطاقة واستمرارية الخدمات الأساسية، مرورا بإدارة المجالين المالي والإعلامي، وصولا إلى ضبط المجال الأمني الداخلي بالإضافة إلى كونه اختبارا مهما على قدرتها على ادارة المخاطر، بحيث يمكنها تقليل تداعياتها الى الحد الادنى، وهو ما يمثل ذروة الثبات المؤسسي في لحظة التهديد، وتعزيز لسيادة الدولة على إقليمها الجغرافي حتى اوقات الخطر.

وهنا يمكننا القول بأن التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية لا تعني نهاية الشراكات الأمنية، بقدر ما تفرض إعادة تعريفها، فالحماية لم تعد ضمانا ثابتا قائما بذاته، بل منظومة متكاملة تتداخل فيها القدرة الذاتية مع التكامل الدفاعي ومع إدارة المخاطر وهو ما يتطلب دورا ذاتيا تقوم به الدول منفردة على تحصين ذاتها مع العمل الإقليمي الأوسع عبر تحقيق التكامل الدفاعي وتنويع شراكاتها الأمنية بما يحقق قدرا من التوازن بين أطراف المعادلة الدولية، فلا تصبح محسوبة على طرف بعينة، مع العمل على ترسيخ سيادتها على الأقليم عبر القيام بوظائفها الحيوية في وقت الأزمات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة