ضمن إصداراته التي ما زالت تحتفظ ببريقها الفكري والإنساني، يذكّر المركز القومي للترجمة بكتاب "سنوات القرب من دوستويفسكي (اليوميات – القصة – الخطابات)"، ذلك العمل الفريد الذي يفتح نافذة واسعة على الجانب الأكثر خصوصية في حياة الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي، ولكن من منظور مختلف؛ من صوت امرأة كانت جزءًا من تكوينه الإنساني والإبداعي.
الكتاب من تأليف أبوليناريا سوسلوفا، زوجة دوستويفسكي ورفيقته في واحدة من أكثر مراحل حياته اضطرابًا، وترجمة الأستاذ الدكتور أنور محمد إبراهيم.
يوميات دوستويفسكي توثقها زوجته
يضم الكتاب اليوميات التي تركتها سوسلوفا، بكل ما تحمله من اعترافات مباشرة وعبارات تبدو بدائية أحيانًا، وبرودة متعمدة في النبرة، وغياب للأسلوب الزخرفي، ونزعة عاطفية باهتة تخفي تحتها اضطرابًا عميقًا، وإلى جانب اليوميات، يضم العمل قصة قصيرة لها بعنوان "الغريب والقريب"، فضلًا عن الخطابات الخاصة التي تبادلتها مع دوستويفسكي، والتي تكشف ملامح علاقة إنسانية معقدة، تتأرجح بين القرب والتوتر، وبين الإعجاب والاختلاف.
لم تكن سوسلوفا مجرد زوجة في حياة الكاتب الروسي الكبير، بل مثلت نموذجًا أصليًا لعدد من شخصياته الروائية النسائية.
فهي شبيهة بدونيا، أخت راسكولنيكوف في رواية الجريمة والعقاب، كما تشير ابنة دوستويفسكي إلى أن شخصية بولينا في المقامر مستوحاة منها، فضلًا عن أن عددًا من بطلاته اللواتي يحملن اسم روزانوفا تكشف عن ملامح واضحة من شخصيتها، وهكذا لا تبدو هذه اليوميات وثيقة شخصية، بل مدخلًا لفهم بعض البذور الإنسانية التي تحوّلت لاحقًا إلى شخصيات روائية خالدة.
يوميات دوستويفسكي
تكمن قيمة هذه اليوميات، بالدرجة الأولى، في وجودها ذاته؛ فهي نص قائم بذاته، لا يدّعي الكمال الفني، ولا يسعى إلى صناعة صورة مثالية، تحت ستار الواقعية المعتدلة المميزة للمزاج الفكري لعصر ستينات القرن التاسع عشر، تنبض روح حماسية مضطربة، باحثة دومًا عن ذاتها، روح امرأة عانت بشدة، وخرجت مبكرًا إلى الشارع لتصبح واحدة من أوائل ضحايا فكرة زمانها، تلك الفكرة التي طُرحت بسحر وجاذبية أمام الجيل الشاب آنذاك، فاستحوذت على العقول والقلوب، ودفعت كثيرين إلى اختبارات قاسية مع الحياة.
يبقى "سنوات القرب من دوستويفسكي" شهادة إنسانية وفكرية على لحظة تاريخية مضطربة، وعلى روح امرأة حاولت أن تجد ذاتها في زمن ملتبس، فوجدت نفسها أيضًا في صفحات الأدب، إنه كتاب يذكّرنا بأن الإبداع لا يولد في فراغ، بل في تماسٍ حيّ مع الحياة، وأن وراء كل سيرة كبرى، وجوهًا أخرى تستحق أن تُقرأ.

سنوات القرب من دوستويفسكي