د. محمد عبدالرحمن الضوينى

بين الظمأ والرِّى.. رحلةُ الصبر إلى بابِ الرَّيان

الأحد، 01 مارس 2026 06:49 م


الصبرُ من أجلِّ القيم التى يقوم عليها ميزانُ الحياة الإنسانية، وبه تستقيمُ النفوسُ عند الشدائد، وتثبتُ القلوبُ والأقدامُ فى مزالق الفتن ومواطن الابتلاء.
وليس الصبرُ خضوعًا للواقع ولا استسلامًا للعجز، بل هو قوةٌ باطنةٌ تُحسن تَحَمُّلَ الطريق حتى يبلغَ غايتَه، ويستبينَ ثمرُه، وقد جعله اللهُ تعالى زادَ السالكين، وما زال أهلُ البصائر يعدّونه بابَ الفرج، وسُلَّمَ الكمال؛ إذ لا تُنالُ الفضائلُ إلا بمكابدة، ولا تُدرَكُ الغاياتُ إلا بمصابرة.


ومن أجلِّ ميادين الصبر وأصفاها ميدانُ الصيام فى شهر رمضان؛ إذ يُدرِّب المؤمنَ على تَحَمُّلِ الظمأ، وكفِّ الشهوة، ومجاهدةِ النفس فى خفاءٍ لا يطّلع عليه إلا الله. فإذا صبر نهارَه ابتغاءَ وجه ربِّه، كان ذلك الظمأُ شاهدَ إخلاصٍ، وبشارةَ رِيٍّ عند تمام الجزاء.


لقد جعل اللهُ الصيامَ عبادةً مخصوصةً تُخاطبُ سرَّ الإنسان قبل ظاهرِه، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]، فبيَّن أنَّ غايةَ الصيام ليست الجوعَ ولا الظمأ، وإنما تقوى القلوب، واستقامةُ الأرواح.


وفى ظمأِ النهار تتجلَّى معانى الصبر الحق؛ إذ يكفُّ المؤمنُ نفسَه عن المباح قبل الحرام، ويضبطُ شهوته طاعةً لله، فيرتقى من مرتبة العادة إلى مرتبة العبادة.
غير أنَّ هذا الظمأَ المؤقّت إنما هو وعدٌ بالرِّيّ الأبدي؛ فقد بشَّر النبى ﷺ الصائمين ببابٍ خاصٍّ فى الجنة،  فقال: «إنَّ فى الجنّة بابًا يُقال له الرَّيّان، يدخلُ منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرُهم».فكان اسمُه مشتقًّا من الرِّيّ؛ جزاءً لمن ظمِئوا لله فى الدنيا، فارتوَوا برحمته فى الآخرة، وهكذا يغدو الصيامُ رحلةَ صبرٍ تبدأُ بحرمانٍ يسير، وتنتهى بوعدٍ كبير، بين ظمأٍ يزكّى الروح، ورِيٍّ يفتح أبواب القرب والرضوان، وتُمهِّدُ للقلب طريقَ المسير إلى باب الرَّيّان.
وهنا يتجلّى البعدُ التربويُّ العميق لرمضان: فكلُّ عطشٍ فى سبيل الله يورثُ رِيًّا، وكلُّ صبرٍ يفتحُ بابًا، وكلُّ حرمانٍ صادقٍ يُثمرُ عطاءً مضاعفًا.


وما بين أذان الفجر وأذان المغرب رحلةٌ تختصرُ حياةَ الإنسان كلَّها؛ يبدأها بالمجاهدة، ويختمها بالبشارة، وكأنَّ الإفطارَ صورةٌ مصغَّرةٌ عن فرحةِ اللقاء بالله تعالى.


وقد دلَّت آياتُ القرآن الكريم على أنَّ الصابرين لهم معيةٌ خاصة، ووعدٌ موفور، وبشارةٌ لا تنقطع، وأشارت إلى هذه الثنائية البديعة بين المشقّة والجزاء ، فقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10]، فالصائمُ من أعظمِ الصابرين؛ صبرَ عن المعصية، وصبرَ على الطاعة، وصبرَ على مجاهدة النفس، فجاء أجره مفتوحًا بلا تقدير.


وختامًا: إنَّ رحلةَ الصيام رحلةٌ من هوى النفس إلى رضوان ربِّها، ومن الصبر إلى الرِّيّ، فطوبى لمن أحسنَ المسير، وصدقَ فى الصبر، حتى إذا انتهى رمضان، بقى أثرُه فى قلبه نورًا لا يخبو، ويقينًا لا يزول.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة