الحناجر الذهبية.. رحلة الشيخ عبد العزيز على فرج من كتاب المنوفية لعرش التلاوة

الأحد، 01 مارس 2026 06:58 م
الحناجر الذهبية.. رحلة الشيخ عبد العزيز على فرج من كتاب المنوفية لعرش التلاوة القارئ عبد العزيز على فرج

كتب محمود عبد الراضي

في ليالي رمضان المضيئة، يحرص المصريون على استعادة تلك اللحظات الروحانية التي تسبق آذان المغرب، حيث تملأ أصوات قراء القرآن الأرجاء لتهدئة النفوس وإضاءة الروح، ويظل هؤلاء القراء جزءاً لا يتجزأ من طقوس الشهر الفضيل بوجدانهم المتصل بقلوب الصائمين.


وفي قلب قرية ميت الوسطى بمحافظة المنوفية، بدأ الطريق نحو نور القرآن حين وُلد عبد العزيز علي فرج في الثاني والعشرين من يناير لعام 1927، ولم تكن حياته لتسير في مجراها المعتاد كبقية الأطفال، فقد نشأ الشيخ كفيفاً، لكن إرادته كانت أقوى من أى ظلام، وحبه للقرآن أشد من أي تحدٍ، ليكون هذا الطفل الذي ولد في عتمة العجز البصري هو ذاته الذي سيصبح لاحقاً صوتاً يغزو القلوب والأسماع بجماله الفريد.

لقد حفظ الشيخ عبد العزيز القرآن الكريم في سن مبكرة جداً، وتلقى علوم القراءات وتجويدها على يد الشيخ أحمد الإشموني، فاستطاع أن ينقش في ذاكرته أحرفاً من نور منحت صوته قوة وتأثيرًا نادراً، ولم يكن فقدانه للبصر سوى دافع حقيقي للتحليق في آفاق أوسع، فصعد بخطى واثقة إلى مصاف كبار القراء في مصر.
ومع طموحه الذي لم يعرف الحدود، كانت القاهرة وجهته الحتمية، فاستقر في حي شبرا العريق وتحديداً بمنطقة حكر أبو دومة، واضعاً نصب عينيه حلماً واحداً وهو أن يتردد صوته عبر أثير الإذاعة المصرية ليسمعه القاصي والداني.

وجاء عام 1962 ليكون نقطة التحول الكبرى في مسيرة الشيخ، حيث خاض اختبارات الإذاعة الصعبة واختير من بين مئات المتقدمين ليكون واحداً من أربعة قراء فقط نالوا شرف الاعتماد، ومن هنا بدأ عهده الذهبي، حيث سجل اسمه في التاريخ كأول قارئ يصدح بالقرآن الكريم في أول صلاة فجر نقلتها الإذاعة المصرية على الهواء مباشرة من مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، ليترك صوته العذب الممزوج بالخشوع علامة فارقة لا تمحى في تاريخ التلاوة المصرية. ولم تكن حياة الشيخ مقتصرة على التلاوة فحسب، بل كان وجهاً مألوفاً في محافل التواشيح والابتهالات الدينية، معبراً عن صدق إيمانه بتجربة روحية لمست قلوب مريديه.

عاش الشيخ عبد العزيز حياة اجتماعية دافئة، حيث تزوج وانتقل للعيش في شارع الجسر بشبرا، وكان يحرص يومياً على لقاء رفاق دربه من الفقهاء والمبتهلين في مقهى الفقهاء الشهير بشارع أبو العلا، حيث تتبادل الرؤى وتصدح الحناجر بالمديح بعيداً عن صخب الحياة. ولكن كما هي عادة الحياة في قصرها، رحل الشيخ مبكراً بعد صراع مرير مع مرض السكر، حيث توفي في السابع عشر من مارس لعام 1977 عن عمر يناهز الخمسين عاماً.
وبالرغم من رحيله الجسدي، إلا أن صوته الذي اجتاز حدود الظلام وبصيرته التي سبقت بصره، لا يزالان يترددان في آذان عشاق التلاوة، باقياً كأثر لا يزول في الذاكرة الجماعية لجمهور دولة التلاوة المصرية.

شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضّلين، مع دقات أذان المغرب، تملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار ليصبحوا جزءًا من الروح الرمضانية، هذه الأصوات العذبة التي تلامس القلوب قبل الفطور، أصبحت جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة