تعد منارة الإسكندرية (فاروس) واحدة من أعظم الإنجازات الهندسيّة في العصور القديمة، وإحدى عجائب الدنيا السبع التي جمعت بين الوظيفة الملاحية والعظمة المعمارية. ورغم اندثار هذا الصرح نتيجة الزلازل وتراكم العصور، إلا أن قيمته التاريخية لم تغب عن الوجدان الإنساني، وتم مؤخرًا تصميم مشروع جديد يقدم المنارة كنموذج رقمي ثلاثي الأبعاد لإعادة بناء المنارة افتراضياً، استناداً إلى الدراسات الأثرية الموثقة والاكتشافات الغارقة، مما يتيح لنا جسر الفجوة الزمنية واستعادة رؤية هذا المعلم الذي ألهم البشرية لقرون.
تم تشييد فنار الإسكندرية القديم في عهد بطليموس الثاني فيلادلفوس ما بين 283 و279 ق.م. وأقدم وصف معروف للفنار قام به المؤرخ والجغرافي الإغريقي سترابو الذي زار الإسكندرية في عام 30 ق.م.
إن معظم ما نعرفه اليوم عن هيكل المنارة مستمد من دراسة نُشرت عام 1909 للعالم "هيرمان تيرش" بعنوان (فاروس: العصور القديمة والإسلام والغرب)، ووفقاً للمصادر القديمة التي استند إليها "تيرش"، فقد بُنيت المنارة من ثلاث طبقات، تميل جدرانها جميعاً إلى الداخل قليلاً؛ الطبقة السفلى مربعة الشكل، والوسطى مثمنة الأضلاع، والطبقة العليا أسطوانية. وكان هناك منحدر حلزوني عريض يؤدي إلى القمة، حيث كانت تُشعل النيران ليلاً لإرشاد السفن.
ووفقا للموسوعة البريطانية "بريتانيكا" تشير بعض الأوصاف إلى أن المنارة كان يعلوها تمثال ضخم، ربما يمثل إما الإسكندر الأكبر أو بطليموس الأول (سوتر) في هيئة إله الشمس 'هيليوس'، ورغم أنها كانت معروفة جيداً في وقت سابق، إلا أن المنارة لم تظهر في أي قائمة للعجائب حتى القرن السادس الميلادي (حيث كانت القوائم الأولى تضع أسوار بابل بدلاً منها).
وفي العصور الوسطى، استبدل السلطان أحمد بن طولون الفنار (موضع الشعلة) بمسجد صغير، ظلت المنارة قائمة حتى القرن الثاني عشر الميلادي، ولكن بحلول عام 1477م، تمكن السلطان المملوكي قايتباي من بناء قلعة (قلعة قايتباي الشهيرة) باستخدام أنقاضها.
"في عام 1994، حقق عالم الآثار 'جان إيف إمبيرور'، مؤسس مركز الدراسات السكندرية، اكتشافاً مثيراً في المياه قبالة جزيرة فاروس؛ حيث استدعته الحكومة المصرية لرسم خريطة لكل ما له أهمية أثرية في هذه المنطقة المغمورة بالمياه قبل البدء في إنشاء كاسر أمواج خرساني فوق الموقع.
وقد قام إمبيرور بتحديد مواقع مئات الكتل الحجرية الضخمة، ويُعتقد أن بعض هذه الكتل على الأقل قد سقطت في البحر عندما دُمرت المنارة جراء زلزال وقع في القرن الرابع عشر الميلادي (الـ 1300). كما تم اكتشاف كمية كبيرة من التماثيل، بما في ذلك تمثال ضخم لملك يعود تاريخه إلى القرن الثالث قبل الميلاد، ويُعتقد أنه يمثل بطليموس الثاني. وكان قد عُثر في مكان قريب خلال الستينيات على تمثال مرافق لملكة في هيئة الإلهة 'إيزيس'؛ ويُرجح أن هذين التمثالين اللذين يمثلان بطليموس المُؤلَّه وزوجته 'أرسينوي' قد وُضعا أسفل المنارة مباشرة، في مواجهة مدخل الميناء.
وبناءً على هذه الاكتشافات، تخلت الحكومة المصرية عن فكرة بناء كاسر الأمواج، وخططت بدلاً من ذلك لإنشاء حديقة (متحف) تحت الماء، تتيح للغواصين رؤية العديد من التماثيل، وتماثيل أبو الهول الحجرية، وبقايا المنارة العظيمة."