التصوير فى اللغة العربية يختص به علم "البيان"، (وهو أحد ثلاثة أفرع للبلاغة القديمة مع البديع والمعانى)، ويتوسل بوسائل أربعة أبرزها التشبيه، كقولك: مصر جنة الله، ففى هذه العبارة أنت شبهت مصر بالجنة، وهذا التشبيه يسميه البلاغيون تشبيها بليغا، لأنك ذكرت المشبه به "الجنة" والمشبه "مصر" وحذفت أداة التشبيه، ووجه الشبه، فلم تقل: مصر كجنة الله فى الجمال، وللتشبيه أنواع عدة، وله أيضا عيوب ومن عيوبه التماس وجه شبه سطحى، أو انقطاع هذا الوجه من الأساس، أو أن يكون أحد طرفى الصورة مجهولا، أنت هنا تقدم تركيبا غير منسجم نتيجة اختلال العلاقة بين طرفيه، وهنا ترفع لك قواعد علم البلاغة بطاقة حمراء تقول أنك أخفقت.
لكن هذا ينطبق على مستخدمى اللغة التقليديين من نوعيتى ونوعيتك، أما الاستخدام غير التقليدى أو المهيمن فتبلغ به درجة ارتقائه أن ينتج صورة متوغلة فى نجاحها "البلاغى" و"الدلالى" اعتمادًا على كسر هذه القواعد ذاتها، هنا قواعد علم البلاغة لا ترفع بطاقتها وإنما تخفض قامتها اعترافا بعبقرية التركيب.
هذا الاستخدام المهيمن على اللغة لا بد وأن يتواجد فى الكتاب المتسم بالإعجاز البلاغى واللغوى (القرآن الكريم)، ومنه ما ورد فى سورة الصافات بقوله تعالى: "أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين"، نحن هنا أمام تشبيه مجمل (حذف منه وجه الشبه الذى هو البشاعة)، بينما ذكر المشبه (ثمار شجر الزقوم) والمشبه به (رؤوس الشياطين)، وأداة التشبيه المستخدمة للتوكيد (كأنه)، فبشاعة الطرف الأول مؤكدة بالطرف الثانى وهو رؤوس الشياطين، لكن الطرف الثانى (رؤوس الشياطين) "مبهم"، فأحدنا لم يرَ الشيطان مسبقا، فكيف تستقيم الصورة وأحد طرفيها مجهول؟
هذه الإشكالية دفعت بعض المفسرين إلى التماس مشبه به معروف بالبشاعة ليطابق التركيب قواعد علم البلاغة، فقالوا أن رؤوس الشياطين هى نوع من الحيات بشعة المنظر، إلا أن أغلبهم أدرك أن سر قوة الصورة يكمن فى "الإبهام"، فهو مقصود لإطلاق خيال المتلقى الذى يجد نفسه معنيا ـ هو ـ بإزالته، فتنفلت الصورة من "التحديد" الذى "يغلق الدلالة" ويسقطها فى فخ "النسبية"، فما يراه شخص بشعا قد لا يراه آخر كذلك، ومن ثمّ فإحالة "البشاعة" إلى خيال المتلقى "كلُ على حدة" هو الحل الوحيد للالتماسها ناجحة فى كل مرة، ذلك أن هذا النجاح يقع على عاتق الذهن المعنى بتخيلها فى تخيلها، ومن ثمّ يتحول المُقنَع (اسم مفعول) إلى ُمقنِع (اسم فاعل).
عبقرية التركيب هنا تتمثل فى إنتاج صورة بلاغية تعتمد على تجاوز قواعد علم البلاغة ذاته، وهذا ما نسميه "هيمنة" القرآن الكريم على اللغة العربية وقواعدها، فهو يلعب بها ويلعب عليها ويلعب معها بدقة مثيرة للدهشة، فالقرآن يستعرض "قدرة" تكسر ـ عند اللزوم ـ قواعد اللغة بمختلف أنواعها لتبنى دلالات غائرة لم يكن من الممكن بناؤها حال اتباع القواعد بشكلها التقليدى.
التركيب هنا نجح فى شىء آخر غير الإفلات من فخ "النسبية"، وهو تفعيل الاتصال الوجدانى والفكرى مع المتلقى، فالطرف الأول من الصورة صنعه "المرسل"/ "القرآن" أما الطرف الثانى فمهة "المستقبل"/ المستمع، هنا يصبح متلقى القرآن الكريم شريكا فى إنتاج المعنى، فهو ليس متلقيا سلبيا يستقبل الرسالة بإسلوب التلقين.
وقريب مما سبق تأتى الآية رقم (11) من سورة الشورى: "ليس كمثله شىء"، ففيها ينفى رب العزة سبحانه وتعالى وجود ما يشبه مثله، وليس ما يشبهه هو، فكاف التشبيه تدخل على "مثل الله" وليس على "الله" مباشرة، هذا على الرغم من أن التشبيه ـ بلاغيا ـ يفيد المقاربة وليس التماثل، بمعنى أنه حتى لو نفى وجود شبيه الله بالقول "ليس مثله شىء" فالتركيب لن يعنى أن المثل كالأصل، لكن لما كانت العبارة تنزيهية فقد توغلت فى هذا المعنى، فالذات الإلهية أرفع من أن توضع موضع مقارنة، أو حتى تكون طرفا مباشرا فى جدل من هذا النوع، ومن ثمّ فالصورة هنا تدور بين طرفين، الأول هو "شىء" مادى موجود داخل حيّز الإدراك البشرى، والثانى هو "ما قد يشبه الله"، أما الذات الإلهية فهى ليس طرفا فى هذه الصورة من الأساس.
ولا يقتصر الحمل البلاغى لهذا التعبير على إصابة معنى التفرد والتنزيه بهذه القوة فقط، بل إن التركيب ينزه المشبه ذاته (الطرف الثانى من الصورة "كمثله")، فـ"إبهامه" يحيل على المتلقى مهمة استبعاد أى مدرك حسى من أن يقترب فى الشبه مما "يشبه" رب العزة، هنا العقل البشرى يعمل بين طرفين كلاهما مخلوق "المدركات الحسية" و"شبيه الله"، إلا أن إبهام الأخير (شبيه الذات الإلهية) يرفعه وينزهه بالإبهام.
وعلى هذا المنوال يأتى حديث صاحب المقام الرفيع "محمد" صلى الله عليه وسلم عن الجنة، بقوله: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، فأقصى صور النعيم تفشل فى التماس مع نعيم الجنة بمجرد أن ينتجها الذهن البشرى، ذلك أن عدم القدرة على إنتاجها هو شرط نجاح إنتاجها، ومن ثم تظل صور النعيم "الناجحة" "مبهمة" دوما.
إلا أن هذا الإبهام "المقصود" لن يثنى المتلقى عن إطلاق العنان لتصوراته بهذا الخصوص، ذلك أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه بخياله يكفيه، فما البال بما هو أعلى، هذا الأسلوب (الإبهام) ناجح جدا فى الإفلات من نسبية الصورة ومن ثمّ تفاوت قوتها بالنسبة لمتلقيها، كما يجعل المتلقى شريكا فى إنتاج الدلالة، فالتركيب يعطيه "نصف رسمة وفرشاة".